واحدة من أهم المسائل العلمية المستعصية على علماء الفيزياء تكمن في فكرة توحيد القوى الأربعة الأساسية للكون: قوة الجاذبية، والقوة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية الكبرى، والقوة النووية الصغرى.

لتفاصيل أكثر عن هذه القوى تابع هذا التقرير:

نظرية الأوتار الفائقة هي النظرية التي تسعى لتحقيق هذا الهدف من خلال إنهاء رفض خضوع النظرية النسبية العامة لمقتضيات نظرية الكم.

ما معنى هذا؟

نظرية الأوتار الفائقة هي نظرية تسعى لإيجاد إجابة لهذا السؤال “ما هي المكونات الأساسية الأولية غير القابلة للتجزئة أو للتقسيم التي يتكون منها كل شيء في هذا الكون غير المتناهي؟”. قد يبدو السؤال منطقي وبسيط، لكنه يظل أصعب سؤال واجه علماء الفيزياء حتى يومنا هذا.

إذا ما تمكنا من الإجابة عن هذا السؤال فهذا معناه بالضرورة هو القدرة على توحيد القوى الأربعة الأساسية التي تهيمن على كل ذرة من ذرات هذا الكون، هذا بالإضافة إلى أننا سنكون قد استطعنا التوصل لإطار ملائم للتوفيق بين ميكانيكا الكم، وبين النظرية النسبية العامة لأينشتاين. الأمر ليس سهلًا بالتأكيد.

إشكاليات الفيزياء

دعونا نعود للبداية حتى نتمكن من فهم أوسع لهذه النظرية.

حتى نهاية فترة العشرينات من القرن الماضي، كانت النظرية النسبية العامة لأينشتاين قد انتشرت انتشارًا واسعًا بعد أن قدمت تفسيرًا مقبولًا لدى العلماء في فهم ما يحدث على مستوى الكون الكبير أو الفضاء الخارجي، بعدما تمكنت من وصف كيفية تحكم قوة الجاذبية في حركة الأجرام السماوية.

في بداية الثلاثينات من القرن العشرين بدأت ميكانيكا الكم تشتغل على الكون الصغير، أو على المستوى الذري لتفك أسرار الذرة ومكوناتها. تمكنت هذه النظرية بشكل ممتاز من تقديم وصف دقيق لعمل كل القوى الطبيعية في العالم متناهي الصغر، أو العالم المجهري عدا الجاذبية. وفي الوقت الذي قدمت فيه النظرية النسبية تفسيرًا لكيفية عمل الجاذبية بالنسبة للأجرام السماوية، لم تتمكن ميكانيكا الكم من تقديم فهم ملائم لكيفية عمل الجاذبية على مستوى الذرات والجزيئات الأصغر من الذرة. ولعشرات السنين باءت كل محاولات وصف الجاذبية بنفس طريقة القوى الأخرى بلغة الكم بالفشل.

من هنا فإن كلا النظريتين تتكاملان كلًّا على حدة، لكن الجمع بينهما يؤدي إلى نتائج توصف بالكارثية في فهم الكون من أصغر الأجزاء إلى أكبرها، لأنه عند الجمع بين النظريتين فإنها تتنافيان بحيث لابد أن تكون واحدة منهما فقط على صواب. والفكرة من محاولة جمع النظريتين من الأساس ترجع إلى التخيل بأنك تعيش في مدينة ما يسودها نظامان مختلفان من أنظمة المرور، فما الذي يمكن أن يحدث؟

علماء الفيزياء يؤمنون بأن قوانين الطبيعة قابلة للتطبيق في كل مكان، لذلك فلو أنه من المفترض أن يتم تطبيق قوانين النظرية النسبية في كل مكان بالكون، فمن المفترض أن قوانين ميكانيكا الكم قابلة للتطبيق في كل مكان أيضًا. أينشتاين نفسه قضى أكثر من 10 أعوام محاولًا توحيد قوة الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية، لكنه لم يتمكن وباءت كل محاولاته بالفشل. جميع العلماء بعد أينشتاين لم يتمكنوا أيضًا من فهم كيف يمكن أن يتم إخضاع قوة الجاذبية لمبادئ وقوانين ميكانيكا الكم، كما تم الأمر مع القوى الثلاثة الأخرى.

من المعروف أن كلًّا من النظرية النسبية العامة ونظرية الكم قد حققتا نتائج مبهرة وثورية في فهمنا للكون من حولنا، لكن هناك بعض الظواهر التي لا يمكن تفسيرها إلا في حالة جمع النظريتين معًا، وبالتالي توحيد القوى الأربعة في الطبيعة. ولاحظ مما سبق أن المشكلة الرئيسية الآن تكمن في دمج جاذبية أينشتاين مع المبادئ العامة لميكانيكا الكم. ومن أبرز هذه الظواهر التي تحتاج إلى جمع النظريتين هي الثقوب السوداء. لماذا؟

ببساطة لأن الثقوب السوداء هي أجسام ضخمة جدًّا (نسبية أينشتاين) مضغوطة بشكل لا يوصف إلى كتلة صغيرة (ميكانيكا الكم)، لكن المشكلة أن كلا النظريتين لا يمكنهما وصف ما يحدث داخل هذه الثقوب الغامضة.

الأبعاد والأوتار


في ستينات القرن الماضي، تم طرح نظرية جديدة تسمى نظرية الأوتار في محاولة لتوحيد قوى الكون الأربعة. هذه النظرية أعلنت أن كل القوى وكل المواد تم صناعتها من مكون واحد، وأن الوحدة الأساسية لتشكيل المادة هي أوتار مهتزة، وليس الذرات أو الجسيمات النقطية الصغيرة كما كنا نقول سابقًا.

وتشير النظرية إلى أن كل وتر من هذه الأوتار يمكنه أن ينثني بطرق كثيرة ومختلفة، لكن النقطة الجسيمية لا يمكنها ذلك. النظرية تشير إلى أن الطرق المختلفة التي يمكن أن ينثني بها الوتر تمثل الأنواع المختلفة من الجسيمات الأولية. فكل وتر يمكنه أن يتذبذب كما يهتز وتر الكمان، وكل نغمة تعطي وصفًا لجسم مختلف عن نغمة جسم آخر. وهذه الأوتار لا سمك لها، والوحدة البنائية الأساسية للإلكترونات والبروتونات والنيوترونات والكواركات هي أوتار حلقية من الطاقة تجعلها في حالة عدم استقرار دائم.

حسنًا، الإثارة لم تبدأ بعد.

فنظرية الأوتار قدمت فكرة جديدة تشير إلى أن عدد الأبعاد المعروفة هي 11 بعدًا، وليس 4 كما هو معروف (الطول والعرض والارتفاع والزمن). ولك أن تتخيل أن أينشتاين وضع الزمن كبعد رابع في نظريته النسبية فغير شكل علم الفيزياء للأبد، وقدم تفسيرات مذهلة للكون من حولنا، فما بالك بـ7 أبعاد.

وتقول النظرية إن الأبعاد السبعة الجديدة يلتف بعضها على بعض بحيث لا يمكن تمييزها على المستوى المرئي، لكن يمكن تمييزها على مستوى الأوتار المهتزة نفسها. لتقريب الفكرة فلك أن تتخيل سلك الكهرباء الرفيع، حيث يظهر للإنسان كأنه ذو بعد واحد فقط، لكنه سيبدو للبرغوث على صورة أسطوانة عملاقة لها طول وعرض وارتفاع أي لها 3 أبعاد.

وإذا ما صحت هذه الفرضية الخاصة بالأبعاد الـ11، فإن معنى هذا أن الكون ليس وحيدًا، وإنما هناك أكوان عديدة متصلة ببعضها، ويشير العلماء إلى أن هذه الأكوان متداخلة ولكن لكل كون قوانينه الخاصة، فالحيز الواحد من العالم من الممكن أن يكون مشغولًا بأكثر من جسم لكن من أبعاد مختلفة.

وإذا ما صحت هذه النظرية أيضًا فمعنى هذا أن الكون ما هو إلا سيمفونية أوتار فائقة متذبذبة، ويصبح الكون عزفًا موسيقيًّا ليس إلا، وتحدد أنماط العزف طبيعة كل كون من الأكوان التي تفترض النظرية وجودها.

بعض تفاصيل النظرية


الفرق بين الأوتار في نظرية الأوتار الفائقة والأوتار الخاصة بالجيتار هو أن الأولى غير مربوطة وعائمة في الفضاء، لكنها وعلى الرغم من حالة الحرية هذه فإن هناك توترًا أو ضغطًا عليها.

طول الوتر الواحد يصل إلى 10 مرفوعة للأس –13 سنتيمتر، معنى هذا أن الوتر الواحد أصغر من نواة الذرة بمقدار مئة مليار مليار مرة.

هناك نوعان من الأوتار، فهناك الوتر المغلق الذي يمكن أن يتحول إلى وتر مفتوح، وهناك الوتر المغلق الذي لا يمكن أن يتحول إلى وتر مفتوح.

جميع الجسيمات الأولية من الممكن أن تصنف إلى بوزونات أو فرميونات. الفرميون هو جزيء المادة نفسها، والبوزون هي جسيمات تنقل القوى بين جزيئات المادة. فأحد الأمور الجديدة التي خرجت به هذه النظرية لمجتمع الفيزياء هو ما يسمى بالتناظر الفائق في فيزياء الجسيمات، والتي تمثل مبادلة بين كل من “البوزونات” مثل الفوتونات وبوزونات هيغز والغرافيتون، وبين “الفرميونات” مثل الإلكترونات والكواركات.

واستنادًا إلى هذه النظرية، فإن بعض الأفكار التي كنا نظنها مستحيلة مثل الانتقال عبر الزمن أو الانتقال من مكان لآخر بشكل لحظي أصبحت أمورًا ممكنة نظريًّا. لماذا؟ ببساطة لأن مفهومنا للكون المسطح التقليدي الذي تحتاج فيه للوصول من مكان لآخر إلى وسيلة نقل وإلى مرور زمن معين قد تغير كليًّا، فالكون أصبح يحتوي على طيات وانحناءات بحيث أصبح مكان عملك الذي يبعد 20 كيلومترًا عن منزلك بالشكل السطحي التقليدي، فوق منزلك وهناك نفق يصل بينهما في لحظة واحدة يسمى بالثقب الدودي.

من المفترض بهذه النظرية أن تمنحنا فهمًا لجميع الأحداث المبكرة عند نشأة الكون ووقوع الانفجار العظيم. فعالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ يعتقد بأن الحرارة الهائلة الناجمة عن الانفجار العظيم قد أدت إلى انعدام الفوارق بين الزمن والفضاء ليصبح الزمن بعدًا فضائيًّا. هوكينغ استند إلى الأعداد التخيلية في علم الرياضيات وطبقها على مفهوم الزمن، قائلًا: “وعند ذلك سيفقد الزمن طابعه الأساسي في جريانه الدائم باتجاه واحد هو المستقبل”، أو ما يسمى بـ”سهم الزمن” ليصبح عندنا زمن خيالي يشير إلى الاتجاهين المعاكسين لبعضهما البعض.

وتصور هوكينغ أن الزمن يرتد إلى الوراء في ظروف خاصة، وذلك عندما توقف الكون المتحدد حاليًا عن النمو، ويبدأ بالتقلص. ونشر هوكينغ عام 2002 كتابًا له بعنوان “الكون في قشرة جوز”، ذكر فيه أن الكون بدأ في شكل كرة صغيرة مفلطحة في بعض أجزائها تشبه قشرة الجوز في حجمها وشكلها، وأن الثقوب السوداء لم تعد كاملة السواد، وإنما هي تشع وتتبخر وتتلاشى.

النظرية إم


نظرية الأوتار الفائقة اعتمدت مثل نظرية أينشتاين على الرياضيات. وبسبب اعتمادها على حلول لمعادلات رياضية لها أكثر من إجابة وأكثر من حل صحيح، فقد تفرعت النظرية إلى 5 نظريات تختلف في عدد الأبعاد، وفي طبيعة الأوتار (مغلقة أم مفتوحة). هذا الأمر دفع عالم الفيزياء الأمريكي “إدوارد ويتن” إلى وضع نظرية شاملة تقوم بدمج هذه النظريات تحت مسمى “النظرية إم”.

وهذه النظرية تشير إلى واحدة من الحلول المقترحة لنظرية “كل شيء”، وهو الاسم الذي يطلق على النظرية التي تحاول ربط القوى الأربعة الكونية أو ما يعرف بنظرية الأوتار الفائقة، والتي يفترض بها أن تربط نظرية الأوتار الفائقة بحلولها الخمس المفترضة مع الأبعاد الـ11 المفترضة.

لا يعلم تحديدًا سبب اختيار الحرف إم في التسمية، لكن يعتقد أن حرف إم هو اختصار لكلمة غشاء “membrane”، فبحسب النظرية فنحن نعيش في عالم داخل غشاء من 11 بعدًا في كون مؤلف من عدة أغشية في أبعاد أكبر. هذه الأغشية تتحرك حركة معقدة جدًّا لا نستطيع أن نشعر بها. فالجسيمات التي نتكون منها لا يمكنها الانتقال والدخول إلى عده أغشية أخرى لأن تكوين جسيماتنا عبارة عن أوتار مفتوحة غير قادرة على الانتقال، رغم أن الأغشية (كما يُعتقد) متصلة ببعضها البعض ومتداخلة.

ومن الممكن أن تقدم هذه النظرية الشاملة حلولًا مناسبة تمكنا من فهم ما لم تتمكن النظرية النسبية وميكانيكا الكم من تفسيره كنظريتين منفصلتين. العلماء يأملون أن توصلنا هذه النظرية لفهم ما جرى في اللحظات الأولى من بداية الكون، ومحاولة فك لغز المادة السوداء والطاقة المظلمة اللتين تمثلان أكثر من 95% من الكون، كما يمكن أن تقدم لنا هذه النظرية تفسيرًا دقيقًا لما يحدث داخل الثقوب السوداء.

انتقادات شديدة

وعلى الرغم من الانتشار الواسع لهذه النظرية إلا أنها تلقى نقدًا شديدًا من أعداد كبيرة من الفيزيائيين الذين يصفونها بأنها مجرد “هراء رياضي” السبب في ذلك يعود إلى تعقيد توصيفها الرياضي، والتفسيرات الخيالية التي تقوم بطرحها للواقع الذي نحيا فيه.

المنتقدون يشيرون أيضًا إلى أنها “بناء نظري مثير للاهتمام”، لكنه لا يوجد إلى اليوم دليل تجريبي يثبت صحتها. والمشكلة المتعلقة باختبار النظرية يكمن في أن هذه الأوتارإن وجدت – فستكون صغيرة جدًّا وسيكون من الصعب جدًّا رؤيتها.

ويقول بعض العلماء إن فكرة إثبات الأبعاد الإضافية قد تكون أمرًا ممكنًا باستخدام “مصادم الهادرونات” الكبير خلال السنوات القليلة القادمة. ففكرة هذا المصادم تكمن في أنه عند تصادم الجسيمات ذات الطاقة العالية جدًّا، فإن الطاقة قد تنتقل إلى أبعاد غير معروفة، وسيحدث خلل في قانون حفظ الطاقة الذي ينص على أن “الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، لكنها تنتقل من صورة لأخرى”، لكن هكذا سيختفي بالفعل جزء من الطاقة.