هل سبق أن رأيت الجزء الثاني من سلسلة الأفلام الشهيرة “سبايدرمان”؟ حسنًا، في هذه الحالة فأنت قد رأيت تلك الشمس المصغرة التي قام ذلك العالم العبقري بتوليدها من أجل الحصول على طاقة هائلة ونظيفة.

يبدو أن هذه الأفلام وما تحمله من أفكار خيالية أصبحت أقرب بكثير للواقع، ويبدو أن تحقيق الخيال العلمي في الأفلام أصبح لا يتطلب سوى مرور بضع سنوات لنراه قائمًا أمام ناظرينا.

ما القصة؟

هناك علماء في ألمانيا يتحضرون هذه الأيام من أجل البدء في التجربة التي يأملون أن تزيد من تقدمهم باتجاه غزو عملية الاندماج النووي، للحصول على أحد أكثر أنواع الطاقة النووية النظيفة والآمنة، والتي تقدم لنا كميات تكاد تكون غير محدودة من الطاقة.

هؤلاء العلماء في معهد “ماكس بلانك” في ألمانيا سيقومون بتسخين كمية ضئيلة من الهيدروجين حتى يتحول إلى غاز فائق الحرارة يسمى البلازما بدرجة تبلغ 100 مليون درجة مئوية، وبالتالي يتم محاكاة نفس الظروف الموجود داخل الشمس.

البعض يدعي أن هذه التكنولوجيا هي تكنولوجيا متقدمة جدًّا وما يزال أمامنا سنوات عديدة حتى يأتي وقتها، لكنهم مع هذا يقولون إنه إذا ما تم الوصول لهذه التكنولوجيا فإنها ستحل بشكل شبه كامل محل الوقود الأحفوري من فحم وبترول وغاز طبيعي، بالإضافة إلى مفاعلات الانشطار النووي التقليدية، هذه الأخيرة ينتج عنها مواد مشعة خطيرة تستمر لعشرات السنين، لكن نفايات الاندماج النووي لا تذكر وليس لها مخاطر مقارنةً بمخاطر الانشطار النووي.

العلماء الألمان سيقومون بهذه التجربة المثيرة في مدينة غرايفسفالد وهي إحدى موانئ ألمانيا، وسيركزون على تكنولوجيا قام باكتشافها الفيزيائي الأمريكي “ليمان سبيتزر” في الخمسينات من القرن الماضي تدعى “ستيلاراتور stellarator“، وهي عبارة عن جهاز يشبه قطعة الدونت ويستخدم تقنية معقدة لتوليد مجالات مغناطيسية تشبه تلك الموجودة في جهاز “توماكاك”، وهو النسخة السوفيتية من ستيلاراتو، وسنأتي على ذكره بالتفصيل بعد قليل.

ويتوقع أن هذا الجهاز سيحافظ على البلازما لفترة أطول من الجهاز السوفيتي، ومع أنه الجهاز الأمريكي أكثر هدوءًا إلا أنه أكثر تعقيدًا من نظيره السوفيتي.

وقد بلغت تكلفة هذا الجهاز والمفاعل الموجود به حوالي 435 مليون دولار أمريكي، وتم إشعاله في البداية عبر ضخ غاز الهيليوم وذلك في شهر ديسمبر الماضي. ويتميز غاز الهيليوم بسهولة عملية تسخينه، كما أن هذا الغاز يمكنه تنظيف الجهاز من أي جزيئات صغيرة ظلت عالقة في أعقاب عملية بناء الجهاز والمفاعل.

ونتيجة لأن عملية التشغيل المبدئية كانت واعدة وناجحة جدًّا، فقد أعطى ذلك الأمر دافعًا قويًا لخوض التجربة الرئيسية ومحاولة الحصول على البلازما وتطويرها لإنتاج الكهرباء.

ويذكر أن تكلفة إنشاء هذا المشروع منذ بداية الفكرة قبل 20 عامًا كلفت الحكومة الألمانية حتى الآن 1,06 مليار يورو. لكن الحكومة صممت على استمرار المشروع رغم كل الاعتراضات.

البلازما

وتمثل البلازما إحدى الصور المتميزة للمادة، والتي يمكن وصفها بأنها غاز متأين تكون فيه الإلكترونات حرة وغير مرتبطة بالذرات أو الجزيئات. فإذا كانت المادة موجودة في إحدى الصور الصلبة أو السائلة أو الغازية، فإنه يمكن اعتبارها الصورة الرابعة من صور المادة.

وعلى عكس الغازات فإن للبلازما خواصها الخاصة. ليس للبلازما شكل محدد فهي تأخذ نفس شكل الغاز العادي الشبيه بالغيوم، وقد تتأثر بالمجال الكهرومغناطيسي فتكون لها بنية معينة على صورة خيوط أو حزم أو طبقة مزدوجة، كما أنه من الممكن أن تحتوي على غبار أو حبيبات.

وتشكل البلازما نسبة 99% من المادة الكونية في النجوم والمجرات من حيث الكتلة والحجم. وهناك بعض الكواكب التي تشكل فيها البلازما النسبة الكبرى، فيعتبر كوكب المشترى مثلًا كتلة هائلة من البلازما.

وتنتج البلازما نتيجة تسخين الغازات إلى درجات عالية جدًّا فتتحول إلى هذه الصورة المتأينة المتميزة. وتتواجد البلازما كثيرًا حولنا مثل البرق وما يسببه من تأين الهواء، وطبقة الغلاف المتأين في غلافنا الجوي، والشفق القطبي، كما أن جميع النجوم هي كرات ضخمة من البلازما وسديم المجرات المختلفة.

مفاعل فرنسا

هناك مفاعل بدأ بناؤه بالفعل في جنوب فرنسا يسمى “المفاعل التجريبي النووي الحراري العالمي”، والذي يسمى اختصارًا “iter“، وهو يمثل مفاعلًا تجريبيًّا دوليًّا للأبحاث الخاصة بالاندماج النووي بمنطقة كاتاراش في جنوب فرنسا.

هذا المفاعل هو من أحد أكبر المشاريع العملاقة في العالم الذي تبلغ تكلفته أكثر من مليار دولار، وسيكون هذا المفاعل هو المحتوى الذي يتم فيه الحبس والسيطرة على التجارب الفيزيائية المتعلقة بالبلازما.

ويهدف هذا المشروع إلى التحول من التجارب الاختبارية الخاصة بدراسة البلازما إلى الإنتاج الكامل والكبير لإنتاج الكهرباء من خلال مفاعل نووي اندماجي. هذا المفاعل الاندماجي تم تخصيصه لإنتاج 500 ميغاوات من الطاقة، في الوقت الذي يحتاج فيه المفاعل إلى 50 ميغاوات فقط لتشغيله ومنح البلازما الطاقة الكافية للاندماج النووي.

وتعتمد فكرة هذا المفاعل على جهاز توكاماك السوفيتي.

توكاماك

هو عبارة عن جهاز يستخدم المجال المغناطيسي لحصر مادة البلازما في شكل طارة (مثل الشكل الموجود في الصورة)، ومن أجل الحصول على توازن ثابت لمادة البلازما فإن هذا يتطلب خطوط مجال مغناطيسي تدور حول هذه الطارة بشكل حلزوني. ويمكن الحصول على هذا المجال عبر إضافة حقل مغناطيسي يتحرك حول الطارة بشكل أفقي، وإضافة حقل مغناطيسي آخر متعامد عليه.

كلمة توكاماك هي اختصار لعبارة روسية تعني “الغرفة الدائرية داخل المستحثات المغناطيسية”. وقد تم اكتشاف هذه الطريقة في فترة الخمسينات من القرن الماضي بواسطة الفيزيائيين السوفيتيين: إيغور تام، وأندريه ساخاروف والتي اعتمدا فيها على الفكرة الأصلية للعالم أوليغ لافرينتييف.

وتعتمد طريقة عمل الجهاز على رفع درجة حرارة البلازما إلى حد الاندماج النووي، وهنا يجب ألا تلمس هذه البلازما فائقة السخونة أي من مكونات المفاعل، وإلا أتلف المفاعل وتسببت في برودتها نتيجة توقف التفاعلات الاندماجية لفقد الحرارة العالية.

في هذه المفاعلات التي تعتمد على طريقة توكاماك يتم جعل البلازما تطفو وسط المفاعل دون أن تلامس أيًّا من أجزائه من خلال مجالات مغناطيسية تحافظ على سير البلازما في مسار دائري.

المشكلة التي تقابل العلماء حاليًا هي الحفاظ على الحرارة العالية للبلازما، بحيث تستمر التفاعلات الاندماجية ولا تنقطع، وذلك لأن اختلاف السرعة في طبقات البلازما الداخلية والخارجية يسبب حدوث بعض التداخلات التي تقلل من درجة الحرارة، مما يجعلنا لا نحصل إلا على طاقة تعوض الطاقة اللازمة للتشغيل دون زيادة في الطاقة يمكن تحويلها إلى كهرباء.

هذا الأمر هو الذي يجعلنا بحاجة إلى المجال المغناطيسي الحلزوني، كما أننا سنكون بحاجة لضخ تيار كهربي في البلازما من أجل العمل على رفع درجة الحرارة قليلًا بالشكل المناسب لتعويض خفض الحرارة الذي تسببه التداخلات.

هناك مشكلة أخرى تكمن في أن تبريد المفاعل لا يسمح بتشغيله المتواصل، وبالتالي فهو يعمل بشكل متقطع أو في صورة نبضات. هذا الأمر لا يسمح حتى اللحظة بإنتاج طاقة كهربائية منه.