Image caption الهدف من الخندق هو الحماية من هجمات تنظيم الدولة، بحسب الأكراد

عند مدينة ربيعة شمال غرب اربيل يمر خندق يثير الكثير من الجدل حاليا في الأوساط السياسية العراقية.

يمتد الخندق من ربيعة، قرب الحدود السورية، إلى مدينة خانقين، قرب الحدود الإيرانية جنوب شرق عاصمة إقليم كردستان العراق الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي منذ تسعينيات القرن الماضي.

تعزيز الأمن هو المبرر الرئيس للأكراد لحفر الخندق على أطراف المدن التي استعادوها من قبضة التنظيم المسلح الذي يُسمي نفسه "الدولة الإسلامية" منذ أواخر عام 2014.

سياسة القوات العسكرية الكردية، التي تعرف اختصارا بالبيشمركة، تستند إلى تطويق تلك المدن المحررة بخندق عميق وعريض لمنع انتحاريي التنظيم وسياراتهم المفخخة من التسلل إلى مدن الإقليم.

يقول اللواء هاشم ستيه، قائد الفرقة الثامنة في قوات البيشمركة، إن الخندق أثبت فعالية كبيرة في صد هجمات انتحارية للتنظيم، خاصة بالقرب من مدينة سنجار التي سيطرت عليها قوات البيشمركة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي بدعم جوي من طيران التحالف بقيادة الولايات المتحدة.

ورفض القائد العسكري، الذي شارك في الإشراف على معارك مع تنظيم الدولة كان آخرها معركة استرداد مدينة سنجال، أن يجيب على سؤال عن إذا كانت النية إنشاء سور أو حائط يطوق الإقليم في المستقبل إذا انفصل عن سائر العراق.

لكنه أضاف بنبرة عسكرية حاسمة "قوات البيشمركة ستستمر في مد الخندق إلى أطراف كل قطعة من الأراضي الكردية لتعزيز الأمن، بما فيها المناطق المتنازع عليها مع بغداد".

يمر الخندق ويخترق في أجزاء منه بعض المدن التي كانت سببا في دفع الجيش العراقي وقوات البيشمركة إلى حافة الحرب في الماضي القريب، كمدينة كركوك التي يُطلق عليها "قدس العراق" لرمزيتها التاريخية للعرب والأكراد.

كانت كركوك ومدن أخرى مثل خانقين وجلولاء، تحت سيطرة الحكومة المركزية قبل ظهور تنظيم الدولة واستيلائه على أرض شاسعة شمالي وغربي العراق في بداية عام 2014.ترسيم الحدود

Image caption أكد اللواء هاشم أن الخندق سيمتد إلى المناطق المتنازع عليها مع بغداد

وأثار الخندق عموما ريبة الحكومة العراقية وتكهنات في بغداد بأن اربيل تعتزم الاستناد إلى الخندق في ترسيم الدولة الكردية المرتجاة بعد استفتاء في المستقبل على الانفصال عن العراق، والذي يتمسك به رئيس الإقليم مسعود بارزاني.

وبسؤاله عن إذا كان الخندق سيكون الخطوة الأولى للتمهيد لانفصال الإقليم عن العراق، قال وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي "نأمل ألا تكون هذه هي نية الإقليم. لكن هذا لا ينفي أن الاخوة الأكراد لهم حق تقرير المصير في نهاية المطاف".

ويراود أكراد العراق الأمل بتحقيق حلم الانفصال عن بغداد وإنشاء دولة مستقلة في الشمال بعد إقرار الدستور الدائم للعراق عام 2005 والذي نص في المادة 140 منه على إجراء استفتاء في كردستان لسؤال السكان إذا كانوا يريدون الانفصال عن بغداد أو البقاء ضمن عراق واحد.

وتحدث مسؤولون أكراد صراحة عن الانفصال، خاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والذي أدى إلى الإطاحة بنظام البعث بقيادة صدام حسين الذي يذكره العديد من الأكراد بكونه رمزا لاضطهاد الأكراد.

ومنذ ذلك الحين تحديدا، سعت حكومة الإقليم إلى اتخاذ خطوات، خاصة على الصعيد الاقتصادي، لتعزيز وترسيخ فكرة الاستقلال عن بغداد.

ولعل من أبرز تلك الخطوات التي أثارت حنق الحكومة المركزية بدء الإقليم تصدير النفط إلى تركيا، خاصة نفط كركوك، وهو ما أدى إلى قيام بغداد بتعليق حصة الإقليم من الموازنة السنوية (17 في المئة أو ما يعادل 15 مليار دولار تقريبا).

وحقق تصدير نفط الإقليم ونفط كركوك المتنازع عليها بعض الانتعاش الاقتصادي للأكراد، لكنه ما لبث أن تلاشى بعد انهيار أسعار النفط الخام العالمية من نحو 100 دولار إلى أقل من 30 دولارا للبرميل.

يقول كفاح محمود، الباحث والمحلل السياسي المقرب من رئيس الإقليم مسعود بارزاني، إن هناك شعور سائد بين العديد من الأكراد بأن "من المستحيل العيش في عراق واحد بسبب الإرث الثقيل في الذاكرة الكردية لبعض المآسي التاريخية التي ارتكبها نظام البعث بحق الأكراد".

ويضيف محمود "لكن الانفصال عن بغداد لن يكون بين عشية وضحاها ولن يكون بالأمر السهل على الإطلاق لبغداد، والتي اتخذت مؤخرا خطوات عدائية كقطع حصة الإقليم من الموازنة".

وأعلن بارزاني في بيان صحفي يوم 3 فبراير/ شباط أن "الفرصة الآن مناسبة" لتنظيم استفتاء حول إقامة دولة مستقلة في إقليم كردستان العراق، والذي يتكون من أربيل والسليمانية ودهوك.

وأشار بارزاني إلى أن "الاستفتاء لا يعني أن يعلن شعب كردستان دولته فور ظهور النتائج، بل يعني أن يعرف الجميع ما الذي يريده شعب كردستان لمستقبله وكيف سيختار مصيره".

وأضاف أن "القيادة السياسية في كردستان ستنفذ إرادة وقرار الشعب في الوقت المناسب".واقع جديد

Image caption أحرز مقاتلو البيشمركة نجاحا في مواجهة تنظيم الدولة

خلال عامين تقريبا، تحولت الأنظار في بغداد تحديدا إلى خطر جديد يهدد العراق بأسره وهو التنظيم الجهادي المتطرف المرتبط فكريا بتنظيم القاعدة.

وتصدر القضاء على تلك الجماعة المسلحة سلم أولويات الحكومة المركزية، وهو ما طغى على قضايا كانت في الأمس القريب تؤرق المسؤولين، خاصة في وزارة الدفاع، وعلى رأسها قضية المناطق المتنازع عليها بين بغداد واربيل.

إلا أن قدوم التنظيم واستيلاءه على ثاني كبرى المدن العراقية، مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى، غيّر المعادلة وأصبح العراقيون يشيرون عند التحدث عن الواقع العسكري والسياسي في العراق اليوم إلى ما يسمونه بحقبة "ما بعد سقوط الموصل".

وخلق هذا "واقعا جديدا" على الأرض، كما يقول أنور دحام من عشيرة البوشمر السنية العربية العريقة في مدينة ربيعة.

يتوخى أنور (48 عاما) الحذر في التعليق على قضايا حساسة تتعلق بإقليم كردستان العراق، كقضية الخندق على سبيل المثال.

وعلى الرغم من اعتقاده بأن الخندق قد يقسم العراق، إلا أنه يعتقد أيضا أنه سيعزز الأمن في المنطقة وسيحميهم مع الأكراد من مسلحي التنظيم.

يقول الشيخ أنور "أي انسان يتمنى أن بلده تظل موحدة وأن العراق يظل واحدا ولكننا في سفينة تضربها الأمواج. وداعش الإرهابي يمثل تهديدا لجميع القوميات في العراق، العرب والأكراد والتركمان والإيزيديين والمسيحيين وغيرهم. هل تريد بر الأمان أم الغرق؟ لولا الخندق لما استطعنا الجلوس في بيتي اليوم لإجراء هذه المقابلة معك. هذه هي الحقيقة".

ويوافقه الرأي جاره الكردي أحمد عبد الحميد الذي اصطحبني إلى سطح منزله لنرى الخندق في الأفق البعيد.

يقول أحمد مشيرا إلى الخندق إنه "خط الدفاع الرئيس عن الأكراد".

ولكن أحمد (59 عاما) يتمنى صراحة أن يضع الخندق الأساس لدولة كردية في شمال العراق، ويضيف بلغة عربية ضعيفة مطعمة أحيانا بكلمات من اللغة الكردية "هذا الخندق أمان. يفصلنا عن بغداد. هذا أمان لنا. نريد استقلالا عن العراق".

وعندما تحدثت مع بعض الجنود وقادتهم، كاللواء هاشم، عند الخندق، أشارو ضمنيا إلى أن للخندق سببا آخر غير توفير الأمن، وهو الحفاظ على المكاسب التي حققوها على الأرض في معاركهم مع التنظيم الجهادي المسلح.

من بين تلك المكاسب أراض يقول الأكراد إنها حق تاريخي لهم وأن صدام حسين مارس سياسة التعريب والتهجير بها لإحداث تغيير ديموغرافي بها.

يقول اللواء هاشم "لن نفرط في أي منطقة حررناها من داعش والتي بذلنا الدماء من أجلها. سنحتكم إلى العملية الديمقراطية، فأهالي تلك المدن التي يمر بها الخندق، بما فيها بعض المناطق المتنازع عليها مغ بغداد، سيصوتون على حق تقرير مصيرهم كما صرح رئيسنا مسعود بارزاني أكثر من مرة".