في الحديث عن العنف في المحتوى الرقمي فإنه يتطلب علينا الحديث عن العنف كسلوك يتبناه ويقوم به البعض، ثم الحديث عن العنف الرقمي، والذي ظهر مع ظهور الثورة الرقمية، ثم يتفرع عنه الحديث عن المحتوى الرقمي الذي هو جزء من الحديث عن العنف، وجزء أيضا من العنف الرقمي.

لكن لا يسعفنا هذا المقال سرد كل هذه الأشياء فهناك من أشبعها بحثا، الأهم هو حديثنا بشكل مخصوص عن العنف في المحتوى الرقمي وأسبابه التي أدت إلى تزايده.

فالعنف مشكلته هي عندما تحول من أداة إلى فكرة عقدية مقدسة، بدل من أن تكون العصاة أو السكين أو المسدس أو التهديد الجسدي والنفسي أدوات للعنف، تحول إلى عقيدة ومنهج لبعض الجماعات، والتي عززت وجودها الرقمي لكثير من الأسباب، سبق أن ذكرت بعضها في الحديث عن الحسابات الوهمية وبأسماء مستعارة.

العنف في المحتوى الرقمي، بإنشاء حسابات ذات طابع انتقامي وظلامي، تتحدث بالتكفير والتفجير، وتبنى القصاص من كل أحد، وتنشر فكرة الانتقام وعبارات الذبح والنحر.

وفي الغالب يكون هذا المحتوى موجها من قبل فكر تطرفي تكفيري، أو من قبل جماعة ضد جماعة، أو من قبل متخاصمين اثنين في قضية سياسية أو اجتماعية أو حتى شخصية.

إثارة هذا العنف في المحتوى أصبح شبه روتيني، ولم يعد يشكل استنكارا في بعض الأحيان، وهذه مشكلة كبرى أن يتحول الانحراف إلى أن يكون مألوفا، ويدخل العنف الى عقول وبيوت الناس وفي وعيهم ليحولهم إلى أشياء وينسيهم أنهم بشرا.

ويعادل المحتوى الرقمي ثلاثة ملايين ضعف المعلومات الموجودة في جميع الكتب التي كتبت حتى الآن، أو ما يعادل 12 رزمة من الكتب، كل منها تمتد لأكثر من 93 مليون ميل من الأرض إلى الشمس.!

هذ حتى نستوعب كمية المعلومات والموجودة في الفضاء الرقمي، فكيف إذا غزاها العنف واستفحل فيها.؟!

وهذا الانفتاح الرقمي الكبير والهائل مهد الطريق لبزوغ مرحلة من عنف المعلومات الضاري وشديد القسوة في العلاقات الدولية والشخصية لم تعهده البشرية من قبل وذلك لأسباب عديدة تتعلق بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي وفرت أدوات سهلة ومتاحة لإنتاج ومعالجة وتوظيف ونشر هذا المحتوى الرقمي، وتولد عنها مخاطر مختلفة عملت كموارد وينابيع لعنف المعلومات على المستوى الدولي والجماعات والأشخاص وجميعها يتعلق كما سبق القول بإساءة استخدام قوة نشر وتوزيع المعلومات.

حيث نرى الفن التقني والتصويري الكبير في إنتاج الجماعات المتطرفة لأنواع العنف غير المبرر بطرق وكيفيات غريبة وغير مسبوقة، إضافة إلى تصوير أي حالة عنف شاذة من قبل هذه الجماعات، كتصوير تفجير الأنفس وقتل الأقرباء، وكل ذلك أضاف إضافة سيئة للمحتوى الرقمي المكتوب والمسموع والمقروء أيضا.

ومن أشكال العنف في المحتوى الرقمي وهي مخاطر محلية تستهدف كل شرائح المجتمع، وتضم مظاهر العنف الرمزي كأفلام العنف ومناظر الجنس والابتزاز الإلكتروني وغيرها، والمعلومات المنفلتة التي من شأنها تأجيج الصراعات العرقية والدينية وخلخلة التماسك الاجتماعي، وفي عالم الإعلام غلبت المعلومات ذات الطابع الترفيهي الإعلاني على المعلومات ذات الطابع التنموي، مما قلل أضعف تنمية الأفراد وقدراتهم على التصدي لمثل هذه المخاطر.

ومن أغرب أشكال العنف التي انتشرت بشكل كبير جدا، وهي ألعاب القتل والقنص والطعن، للوصول لغاية ما، والتي تجعل الشخص يعيش في حالة سوداوية يمارس بيديه الإلكترونيتين القتل وإطلاق النار، ويفرح كل الفرح بقتل أي أحد من المواجهين، مما يجعل لديه ردّات فعل نفسية سيئة في الواقع الذي يعشيه، حيث ينقل واقعه الافتراضي إلى واقعه الحقيقي وهذه أعظم المخاطر، وزاد هذه الألعاب بلاء توفرها في الأجهزة الذكية والتي تزيد من ساعات اللعب فيها والعيش معها.

عجز الدول عن حماية شعوبها ضد الإعلام الضار وسيطرة المرسل على المتلقي، مما يجعل المتلقي تحت رحمة الرسائل الإعلامية من المرسل بكل ما وراءها من أهواء.

مخاطر كامنة في طبيعة التكنولوجيا ذاتها، ومن مظاهرها إدمان الإنترنت وطغيان حوار الإنسان مع الآلة على حوار الإنسان مع أخيه الإنسان، وظاهره الإفراط المعلوماتي أو حمل المعلومات الزائد ومخاطر انسحاق العقل الإنساني في مواجهتها. وإدمان التليفزيون وتفشي آفة التلقي السلبي وطغيان المرئي على الكتابي مما يحرم المرء من مزايا التعامل مع النصوص المكتوبة التي تزيد من قدرته على التأمل والنظرة النقدية.

وتعد المنطقة العربية والشرق الأوسط عمومًا في مقدمة مناطق الاستهداف الأولى لعنف المعلومات الدولي، للأسباب السياسية والجيواستراتيجية والحضارية المعروفة، التي جعلت منها أكثر مناطق العالم التهابًا وأكبر مسرح للصراعات السياسية والحضارية، ومن ثم أصبحت تلقائيًا أكبر ساحة يصب فيها عنف المعلومات الدولي على اختلاف مشاربه وتوجهاته، وإن كانت المنطقة تقع الآن في مرمى عنف المعلومات الصادر عن التكتل الإنجليزي الأمريكي أكثر من غيره، فهذا التكتل يعلم جيدًا ما تتمتع به المنطقة من ثروات هائلة حيوية في مقدمتها البترول وما تتمتع به من موقع جغرافي فريد وتاريخ وإرث حضاري يناطح الحضارة الغربية وعقيدة  إسلامية يراها الغرب مصدر التهديد الحقيقي له على المدى الطويل، ولذلك يتوجه القسم الأكبر من عنف المعلومات الذي يمارسه هذا التكتل إلى المنطقة.

وعلى الرغم من التدمير الهائل الذي أحدثه عنف المعلومات الذي يمارسه التكتل الإنجليزي والفرنسي والألماني ضد الشعوب العربية فإن المنعة العقائدية والدينية والحضارية لسكان الإقليم حالت حتى الآن دون تحقيق الأهداف بعيدة المدى لهذا العنف، والتي تسعى لتذويب الهوية الحضارية لشعوب المنطقة وتفكيك عقيدتهم الدينية وتذويب مواطنيها ليدوروا تائهين ممسوخين في فلك الثقافة ومشروعات الهيمنة الغربية.

جعفر الوردي