يُمثل قاطني منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واحدا من كل عشرة مُستخدمين نشطين على موقع التواصل الإجتماعي الأشهر عالميا، “فيس بوك”. ويُقدر العدد الإجمالي لمُستخدمي الموقع في المنطقة حاليا بما يزيد عن ١٩٠ مليون مُستخدم، يستخدم ما يزيد عن ١٦٠ مليونا منهم هواتفهم المحمولة في تصفُح الموقع. تُعزز هذة الأرقام من أهمية دراسة ظاهرة شبكات التواصل الإجتماعي بمزيد من التمعُن، وتبيُن آثارها على حياة البشر اليومية.

لا شك لدي في أن الإجابة الى هذا التساؤل المفتوح، والذي طرحته في عنوان المقال، ستختلف إختلافا كبيرا من شخص الى شخص ومن مُجتمع الى مُجتمع. ولكنني هنا في واقع الأمر لا أبحث عن إجابات ورُؤى فردية، ولكن بصدد تحليل الأمر بطريقة علمية تستند الى عدة دراسات عالمية نُشرت للتو حول تأثير شبكات التواصل الإجتماعي على العلاقات الإجتماعية الفعلية للأشخاص.

أشارت دراسة بريطانية حديثة، صدرت نتائجها الأسبوع قبل الماضي، الى أن نسبة الصداقات الفعلية لكل مُستخدم من مُستخدمي موقع “فيس بوك” من إجمالي قائمة الأصدقاء التي يمتلكها على الموقع لا تتجاوز في المُتوسط ٢٧٪. أميل الى الإعتقاد بأن الأمر يختلف كثيرا من شخص الى آخر، تبعا لطريقته في إدارة ملفه الشخصي على الموقع، إلا أنني لا أتصور أن يتجاوز المُستخدمون العرب النسبة ذاتها.

وتُعد الدلالة الأكثر أهمية، التي كشفت عنها الدراسة نفسها، هي أن المُتوسط الطبيعي لعدد الأصدقاء المُقربين لكل إنسان لم يختلف بين مُستخدمي الشبكات الإجتماعية – ممن يمتلكون المئات من الأصدقاء الإعتباريين – وبين المُتوسط التقليدي للأشخاص قبل بزوغ عصر شبكات التواصل الإجتماعي. كانت الدراسة قد إستبينت مُستخدمي “فيس بوك” حول عدد الأصدقاء ممن يُمكنهم تصنيفهم على أنهم ينتمون الى دائرة الأصدقاء المُقربين، وخلُصت الى أن مُتوسط الصداقات المُقربة لكل شخص من مُستخدمي الموقع يتراوح بين ٩ الى ٢٠ صديق مُقرب، وهو ما يتطابق مع مُتوسط الصداقات المُقربة للأشخاص مُنذ قديم الزمن، كما قدرته دراسات عديدة سابقة.

تُؤكد نتائج هذة الدراسة بوضوح على حقيقة أن البشر سيبقوا هُم البشر، حتى وإن إختلفت وسائل تواصلهم مع بعضهم البعض، وأن القيود التي تتحكم بقدرتهم على بناء الصداقات والتواصل إجتماعيا مع أقرانهم لا علاقة لها بمدى سهولة التواصل مع هؤلاء الأقران، أو بالوسائل التي سيستخدمونها لتحقيق هذا التواصل.

وإذا ما كانت شبكات التواصل الإجتماعي لا تُؤثر إيجابيا على قدرة البشر على بناء صداقات حقيقية جديدة، فإن ما يعنينا أكثر هنا هو إذا ما كانت هذة الوسائل الرقمية الحديثة تمتلك أثرا سلبيا على مُستخدميها. يهتم الباحث الأمريكي ستيفين ستروجتز بدراسة الجوانب السيكولوجية من شخصية الإنسان، وقد أشار في بحث نشره مُؤخرا إلى فرضية وجود تأثير سلبي لإستخدام شبكات التواصل الإجتماعي على العلاقات الإجتماعية، مُفترضا أن الإفراط من إستخدام تلك المواقع يُهدر الكثير من وقت مُستخدميها على التواصل مع أشخاص إعتباريين لا يُشكلون صداقات فعلية، في حين كان الشخص يحتاج الى إستثمار هذا الوقت في التواصل مع الداشرة المُقربة من الأشخاص المُحيطين به.

وتُعزز دراسة أُخرى سابقة، نُشرت عام ٢٠١٣، من تلك الفرضية، حيث أكد باحثون في قسم علم النفس بجامعة نوتينجهام البريطانية وجود ظاهرة ما يُسمى “بإدمان إستخدام شبكات التواصل الإجتماعي”، وإستعان الباحثون بعدة نظريات لتفسير تلك الظاهرة والتي أرجعوها الى عدم القدرة على التأقلم مع الواقع، ونقص الثقة بالنفس، ما يُؤدي الى إدمان مرضي لإستخدام تلك المواقع.

إن حقيقة كون شبكات التواصل الإجتماعي بحد ذاتها لا تُساهم بطريقة مُباشرة في جعل البشر أكثر إجتماعية لا تتنافى مُطلقا مع كونها وسيلة حديثة وعملية للتواصل يُمكن إستخدامها في الحفاظ على صداقات فعلية، وربما تكوين صداقات جديدة. مثلها في ذلك مثل كل شئ، تحتاج شبكات التواصل الإجتماعي الى الحكمة والتوازن في إستخدامها لتُحقق فائدة إيجابية، ولكنها ستبقى بكل تأكيد واحدة من علامات هذا العصر بما حققته من شعبية ونجاح.