حين تتأمل في كاميرات وأجهزة المراقبة الذكية، وأين وصلت اليوم في مواصفاتها وقدراتها، تقول في نفسك؛ وهل يجرؤ لص بعد هذا على أن يسرق منزلاً أو أن يسطو على محلٍ تجاري؟ لكن رغم ذلك؛ لازالت السرقات تتكرر، ولازال اللصوص غير مدركين أن العالم قد تغير كثيراً، ولم يعد بيئة آمنة لهم لممارسة عملهم السابق، أو التفاخر بمهاراتاهم الذكية، فقد بات لدينا اليوم ماهو أذكى منهم.

دعوني -عبر السطور التالية- أحكي لكم عن صديقي وقصته العجيبة مع اللص، وكيف استخدم ما لديه من إمكانيات بسيطه، ودون أن يشتري أية أجهزة إضافية أو أن يركب أي معدات مراقبة احترافية، في أن يكشف السارق ويثبت عليه فعلته بمشهد فيديو واضح لا يدع مجالاً للريبة، وذلك عبر هاتفه الذكي وصفحة فيسبوكية عادية.

القصة باختصار

القصة -عزيزي القارئ- أن صديقي يسكن مع زميلٍ له في شقة في إحدى المدن البعيدة عن موطنه، فهم طلاب يدرسون في الغربة، وتلك الشقة كانت ضمن عمارة سكنية، وقبل أسابيع رحل الحارس السابق وأتى حارسٌ جديد، ثم حدث أن اختفى مبلغٌ من المال من حقيبة أحدهم من داخل الشقة، استغربوا وتساءلوا، ولأنهم أصدقاء ويثقون في بعضهم البعض، فقد رجحوا أن يكون هنالك لص دخل الشقة وسرق المبلغ فقط ثم رحل، وكانت الشكوك تتجه نحو الحارس الجديد، وخاصة أن هنالك بعض التصرفات الغريبة التي تصدر منه والتي سببت لهم عدم ارتياحٍ له.

أما اللص فقد كان بالفعل ذلك الحارس الجديد، وقد سرق المبلغ من غرفة أحدهم فقط، ولم يسرق أي شيء من الغرفة الأخرى، ربما ليوقع بعضهم في بعض ويبعد عنه الشكوك، كما أنه لم يسرق أي أجهزة أو أشياء ثقيلة، فقد كان يبحث عن مبالغ مالية يسهل إخراجها، ربما كي لا يثير الشكوك أو يحدث زوبعة قد تفصله من عمله الجديد المدر عليه بالمال الوفير.

المهم أنه حدث أمرٌ آخر ساهم في تأكيد الجناية عليه، لكن بدون دليلٍ يمكن لمسه، وأن لديه وسيلته الخاصة للدخول إلى الشقة بكل سهولة عبر الباب نفسه، وأنه ينوي دخول الشقة مرة ثانية وثالثة ورابعة، ففكروا وخططوا من أجل إيقاع اللص وإثبات التهمة عليه، حيث لم يكن أحد يعلم بعد بتلك السرقة، ولم يظهروا أي علامات أمام الحارس، حتى أنهم لم يغيروا كولون قفل الباب، وكأن شيئاً لم يكن، وهذا كله من أجل إغراء اللص بالدخول مرة أخرى للشقة.

لقد أرادوا أن يصوروا اللص متلبساً، فكروا في شراء كاميرا مراقبة جيدة، لكن بدلاً عن ذلك قرروا استخدام الهاتف الذكي، فهو مجهز بالكاميرا وفيه بطارية تكفيه لعدة ساعات ويمكن إخفاءه ووضعه في أي مكان لا يلاحظه اللص.

لكن ماذا لو اكتشف اللص ذلك الهاتف الذي يصور دخوله وحركته، بالطبع سيقوم بسرقته ويختفي الهاتف مع الدليل، ففكروا في خدمات البث المباشر عبر الانترنت، ولم يذهب تفكيرهم لبعيد، فهم يعلمون أن الفيسبوك يوفر هذه الخدمة بالمجان ولأيٍ كان، وبدلاً من أن يتم البث عبر حساب أحدهم الشخصي، يمكن إنشاء صفحة فيسبوك جديدة ليس فيها أحد ويتم البث عبرها.

وضعوا الهاتف في مكان مخفي يصعب اكتشافه، وركبوا كاميرا أخرى داخل إحدى الغرف، ثم أوهموه بالخروج من الشقة للصلاة، وقد كان ذلك هو  الوقت المفضل لديه، فمكبرات الصوت تحدد له البداية والنهاية، كان هنالك من يشاهد البث من كان آخر قريب عبر جهاز حاسوب عادي، ويسجل الأحداث عبر برامج تسجل الشاشة، فحتى لو اكتشف اللص الهاتف ودخل إلى صفحة الفيسبوك وقام بحذف الفيديو، فسيكون هنالك نسخة محفوظة توثق جريمته.

وبعد عدة محاولات، وعدة خروجات للصلاة، جاءت اللحظة ودخل اللص إلى الشقة، ووثقت الكاميرات دخوله وتحركاته، وتم تسليم التسجيلات إلى مسؤلي العمارة، وأمسك باللص، وأرجع المبلغ، وهكذا انكشف أمره وعاد الحق لأصحابه، والفضل بعد الله للتقنية وما أنتجته لنا من وسائل وأدوات.

كيف نُسَخّر التقنية لصالحنا

لاشك أن خدمات البث المباشر قد أفادتنا كثيراً، أن تعرف ما يحدث في نفس اللحظة في مكان آخر في العالم وأنت جالس فوق كرسيك تحتسي قهوتك لهو أمرٌ ليس بهين، هذه التقنية التي تتسابق عليها الشركات والشبكات يمكن استخدامها في مجالات عديدة، وقد رأينا اليوم كيف ساعدت في مراقبة اللص وتوثيق جريمته.

لقد أراد صديقي استخدام ما لديه من إمكانيات لتحقيق هدفه، دون شراء أجهزة أو معدات جديدة، فنحن نمتلك هواتف ذكية، وقد أصبحت تلك الهواتف ذات مواصفات عالية، منها جودة التصوير، أما الأنترنت فقد أصبح في كل منزل -تقريباً- والفيسبوك يفتح لك ذراعيه كي تنشر من خلاله، وتبث الفيديو بالمجان، وما عليك إلا أن تصنع توليفة تجمع هذه الإمكانيات المتاحة للوصول لهدفك المنشود.

لقد أطلقت الفيسبوك خاصية البث المباشر للجميع في نهاية عام 2015، ثم جعلت الحد الأقصى لفترة البث 24 ساعة دون انقطاع، ثم توسعت بعد ذلك وأتاحت لأي جهاز فيه كاميرا بأن يبث الفيديو عبر الفيسبوك، بما في ذلك أجهزة الحاسوب عبر الكاميرات المدمجة أو الكاميرات الاحترافية المتصل بها، ولأن البث يمكن إجراءه عبر الصفحات كما الحسابات الشخصية، فيمكن إنشاء صفحة جديدة مخفية عن عيون الأصدقاء، لا يشاهدها إلا الشخص نفسه ومن يريد أن يساعده في المراقبة.

لكن التقنية قد أنتجت لنا الكثير من الحلول الأكثر احترافية، والمتمثلة في كاميرات المراقبة الذكية والمتصلة بالإنترنت، فالبعض منها يوفر خصائص مفيدة جداً، مثل استشعار الحركة وإرسال التنبيهات عند دخول أي شخص، أو التعرف الآلي على الأشخاص عبر تحليل الوجه، والتحدث الصوتي أو إطلاق الأصوات المنبهة، وغيرها من الخصائص والمميزات التي يمكن التعرف عليها عبر التقرير المنشور سابقاً في عالم التقنية.

ختاماً …

يستمر الإنسان في ابتكار الحلول التي تسهل عليه الحياة، وأحياناً؛ التي تقيه شر أخيه الإنسان، وفي المقابل يستمر الشيطان وتلك القلوب الغير سوية في ابتكار الوسائل المضادة، ويبقى المنتصر في هذه المعركة هو من يمتلك المعلومة، فقد قال “فرانسِس بيكون” سابقاً وغيره من الحكماء: المعرفة قوة.