ما كاد العالم يصدق أنه سيطر على وباء إيبولا في القارة الإفريقية وتجاوز حالة خطر الانتشار، حتى ظهر وباء جديد يدعى «زيكا»، الذي أخذ يتفشى في أمريكا اللاتينية بشكل مرعب، ودق ناقوس الخطر لدى منظمة الصحة العالمية التي أعلنت تشكيل لجنة طوارئ بغاية السيطرة على الوباء.

في هذا التقرير، سنورد كل ما نعرفه من معطيات متوافرة حتى الساعة ارتباطًا بوباء «زيكا».

ما هو فيروس «زيكا»؟

«زيكا» هو فيروس مستجد ينقله بعوض ينتمي إلى فئة بعوضة «الزاعج المصري» التي تنقل أيضًا حمَّى الضنك والحمى الصفراء.

اكتشف الفيروس لأول مرة في أوغندا سنة 1947 لدى قردة كانت تعيش في غابة هناك تدعى زيكا، وبعد ذلك عثر عليه لدى البشر في حالات محدودة في نيجيريا سنة 1952 في أوغاندا وجمهورية تنزانيا المتحدة، وتم تسجيل أول حالة تفشٍّ له سنة 2007 لكن لم يعتبر حينئذ «خطرًا وبائيًا» ولم يشكل تهديدًا على صحة الإنسان، بيد أنه منذ مايو الماضي أخذ يتفشى بالبرازيل بدرجة خطيرة.

ما هي البلدان المتفشي بها حاليًا؟

يجتاح الفيروس حاليا 24 دولة حتى الآن بشكل متفاوت، وقد بدأ «زيكا» انتشاره بشكل كبير في البرازيل، ثم انتقل إلى بلدان لاتينية أخرى؛ باربيدوس، وبوليفيا، وكولومبيا، وجمهورية الدومنيكان، وإكوادور، والسلفادور، وغيانا الفرنسية، وغواتيمالا، وغوادلوب، وغيانا، وهاييتي، وهندوراس، ومارتينيك، والمكسيك، وبنما، وباراغواي، وبورتو ريكو، وسانت مارتن، وسورينام، وفنزويلا، مثلما سجلت 3 حالات في كل من إسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية و4 حالات في كندا.
خريطة وباء زيكا منذ بداية تفشيه سنة 2007 حتى ذروته في 2015

شهدت البرازيل في فترة الأشهر الثلاثة الأخيرة 3893 حالة من الأطفال المولودين برأس صغير، وعثر في كثير من تلك الحالات على إصابة الوالدين بمرض «زيكا»، وبالمقابل سجلت 160 حالة لأدمغة غير مكتملة النمو فقط في باقي الشهور من العام المنصرم، ويشتبه العلماء أن الفيروس «زيكا» هو المتسبب في زيادة حالات تشويه رؤوس الأطفال، وقالت منظمة الصحة العالمية إنها ستنشر دراسة قريبًا حول العلاقة بين فيروس «زيكا» بحالات ولادة أطفال يعانون من صغر حجم الرأس والمخ بالبرازيل.

وفي انتظار تأكيد المنظمة هذه الصلة، جندت البرازيل 220 ألف جندي وخصصت مواردَ مالية مهمة في سبيل مكافحة انتشار الناموس الحامل لفيروس «زيكا».

ما مدى خطورة الوضع؟

أعلنت منظمة الصحة العالمية قبل يوم أمس، التابعة للأمم المتحدة والمكلفة بمحاربة الأخطار الوبائية العالمية، تشكيل لجنة طوارئ للتعامل مع الوباء الجديد، الذي لا يوجد له علاج أو مصل مضاد حتى الآن.

وصنفت المنظمة مستوى خطر الوباء إلى مستوى «إنذار عال جدا»، وحذرت من أنه يتسبب في ولادة الأطفال برؤوس صغيرة وفي زيادة حالات «غيان-باريه» وهي اعتلال عصبي يصيب الأطفال حديثي الولادة، وقد أعربت مارغريت تشين المديرة العامة للمنظمة عن قلقها الشديد من سرعة انتشار الفيروس.

بينما أقر وزير الصحة البرازيلي مارسيلو كاسترو بأن بلاده «خسرت بشكل سيء» في حربها ضد الفيروس، مصرحًا بأن البرازيل تمر بأكبر الأزمات الصحية في تاريخها، أما الرئيس البرازيلية ديلما روسيف فقد نصحت النساء بتأجيل الحمل ريثما يعثر على علاج للوباء.

وقال ماركوس أسبينال، مدير إدارة الأمراض المعدية في الهيئة المسؤولة بمنظمة الصحة العالمية، إن عدوى فيروس «زيكا» قد تصيب من ثلاثة إلى أربعة ملايين شخص، منها مليون ونصف في البرازيل وحدها.

كيف يتفشى فيروس «زيكا»؟

تنتقل عدوى الفيروس عن طريق بعوضة تندرج في صنف «الزاعجة»، ولا سيما منها «الزاعجة المصرية» الموجودة في شبه المناطق المدارية، حيث تنقل الدم المصاب بالمرض من شخص لآخر عبر اللسع.

ويشتبه أيضًا في أن تكون العلاقات الجنسية ممرًا لانتقال عدوى الفيروس، كما تزيد الرحلات الجوية هذا الأمر سوءًا، حيث يمكن أن يسافر الأفراد المصابون بالوباء إلى بلدان وقارات أخرى لتنتقل العدوى بدون أن يعوا ذلك.

ما تأثير الفيروس على المصابين وكيف تبدو أعراضه؟

قد لا تبدو أعراضه خطيرة على الأشخاص البالغين، لكن خطر الفيروس يكمن في تشويه أدمغة الأجنة، يصرح سكوت ويفر مدير معهد العدوى والمناعة البشرية لقناة البي بي سي محذرًا من خطورة الوضع «إذا أصيب الجنين بصغر الرأس فلن نكون قادرين على تغيير تبعات هذا المرض الخطير للغاية، والذي يكون قاتلا في بعض الأحيان أو يجعل الأطفال يعانون من إعاقة ذهنية للفترة المتبقية من حياتهم».

تقول منظمة الصحة العالمية إن أعراض الفيروس لا تبدو واضحة في الأيام الأولى بعد التعرض للفيروس، إلا أنه يثير بعد ذلك أعراض الحمى والطفح الجلدي والتهاب الملتحمة والألم العضلي وآلام المفاصل والتوعك والصداع. وعادة ما تكون هذه الأعراض خفيفة وتستمر لمدة تتراوح ما بين يومين و7 أيام.

خطر الفيروس يتبدى في تأثيره الخطير على النساء الحوامل والأطفال حديثي الولادة.

ما علاقة «زيكا» بصغر رؤوس الأطفال؟

يشتبه العلماء في أن الفيروس «زيكا» يتسبب في ولادة الأجنة برؤوس صغيرة غير مكتملة النمو، الأمر الذي يعرض المولودين للوفاة، أو يصيب الناجين بإعاقات ذهنية دائمة، حيث لا يستطيع المخ تنظيم وظائف الجسم على نحو حيوي بحجمه غير الطبيعي.

لم تتأكد بعد هذه العلاقة ولم تتبين الطريقة التي يتم بها تشويه أدمغة الأجنة، بيد أن منظمة الصحة العالمية تقول إنها تعمل على دراسة ستظهر قريبًا تتناول فيها تأثير الفيروس على الأجنة بمعطيات علمية.

وقد تضاعف عدد الأطفال المولودين بأدمغة غير مكتملة في البرازيل بعشرات المرات في الفترة القريبة الأخيرة وذلك بالتزامن مع تفشي وباء «زيكا» بالبلد.

وصغر الرأس هو اعتلال نادر الحدوث يكون فيه رأس المولود صغيرًا بشكل غير عادي، ينتج بسبب شذوذ نمو دماغ المولود في الرحم أو أثناء الطفولة المبكرة نتيجة التعرض لعوامل جينية أو بيئية.

كيف أحمي نفسي من الوباء؟

حتى الآن لا يوجد أي علاج للمصابين أو مصل مضاد لفيروس «زيكا»، ومن ثم لا توجد طريقة أفضل من الوقاية.

حتى الساعة لم تعلن منظمة الصحة العالمية حظر السفر إلى البلدان الحاضنة للفيروس، لكن بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية أوصت مواطنيها، خصوصًا الحوامل؛ بتأجيل السفر إلى دول أمريكا اللاتينية، ونصحت المنظمة كإجراء احترازي بأخذ الاحتياطات اللازمة لتجنب الفيروس قبل الانتقال إلى تلك البلدان.

يوصي الخبراءُ مواطني البلدان المعرضة للوباء بتجنب لسعات البعوض قدر الإمكان، وذلك من خلال تغطية الجلد المكشوف دوريا بدهانات خاصة طاردة للبعوض، وارتداء ملابس ذات أكمام طويلة تغطي أطراف الجسم.

كما ينصح بإغلاق النوافذ والأبواب قبل النوم، وتنظيف المطبخ بشكل جيد مع إزالة المياه الراكدة والنباتات في البيت، وإحكام غلق القمامة وتجفيف أماكن المنزل من الرطوبة منعًا لتوفير مأوى مناسب ليرقات البعوض، وهناك من ينصح باستعمال التقنيات التكنولوجية المكافحة للبعوض.

ما هي الجهود الدولية في هذا الصدد؟

تحث منظمة الصحة العالمية المجتمع الدولي للعمل سويًا للسيطرة على الوباء، وتعمل حاليًا مع وزارات الصحة لدول أمريكا اللاتينية لتحسين قدرات المختبرات لديهم على كشف الفيروس، كما تقدم المنظمة بشكل متجدد توصيات الرعاية السريرية ومتابعة المرضى المصابين بالعدوى، بالإضافة إلى تشخيص البيانات التحليلية حول الوباء.


وتقوم السلطات البرازيلية برش المبيدات كإجراء طارئ باستخدام شاحنات متنقلة للقضاء على البعوض، في محاولة منها لتوفير بيئة مناسبة لاحتضان دورة الألعاب الأولمبية بريو دي جانيرو في أغسطس المقبل قبل فوات الأوان، أما بلدان أخرى في أمريكا اللاتينية فهي تفكر في الاستعانة بحشرات عقيمة معدلة وراثية لتمنع تكاثر البعوض، ومنها من يقترح إغراق البرك والأنهار بجيش من الأسماك التي تأكل بيض اليرقات.

وتجري حاليا على قدم وساق الأبحاث المخبرية بمختبرات تكساس الأمريكية، المختصة بالأمراض المعدية والمزودة بإجراءات أمنية مشددة؛ لتطوير لقاحات وأدوية مضادة للفيروس، إلا أنها لن تصبح جاهزة إلا بعد سنتين على الأقل كما يعتقد المختصون.

هل يصل «زيكا» إلى البلدان العربية؟

لم تعلن السلطات الرسمية لأي من البلدان العربية تسجيل إصابات فيروس «زيكا» حتى الساعة باستثناء الأردن التي أقرت بحالة واحدة، إلا أن احتمال الإصابة مستقبلا يبقى ممكنًا لأن الرحلات الجوية مع أمريكا اللاتينية لا تزال مفتوحة.

وتعمل وزارات الصحة للدول العربية على اتخاذ تدابير احترازية لدخول الوباء بمساعدة خبراء منظمة الصحة العالمية، كما حدث خلال ذروة انتشار وباء الإيبولا قبل عامين.

ومع ضعف أنظمة السلامة الصحية ضد الأوبئة لدى البلدان العربية، فإن دخول فيروس «زيكا» قد يكون أمرًا كارثيًّا.