بينما تبدأ في قراءة سطور هذا التقرير يوجد الملايين من مدمني البورنو غارقين في تصفح الآلاف من المواقع التي تعرض لهم عددًا لا نهائي من النساء العاريات، وفي كل مرة يظنون أنها الأخيرة ومن بعدها سيكتفون يجدون أنفسهم ينساقون لا إراديًا إلى مطالعة المزيد من الأفلام والصور، لينتهي الأمر بهم تائهين في بحر متلاطم الأمواج يغير ملامح حياتهم.

دعنا نوضح لك الصورة بشكل أدق: فصناعة البورنو على الإنترنت تتجاوز قيمتها الاقتصادية 15 مليار دولار أمريكي، وقد كشف تقرير تحليلي صدر عن أحد أشهر مواقع البورنو المجانية عام 2016، أن مقاطع الفيديو المتاحة بداخله شُوهدت 92 مليار مرة خلال العام السابق وذلك من جانب 64 مليون زائر يوميًا، وإذا ما وزعت هذه المقاطع على سكان الكرة الأرضية فسيكون نصيب كل شخص منها 12.5 مقطع فيديو، وفي حال رغبة أحدهم في مشاهدتها جميعًا سيحتاج إلى 524641 عامًا لإتمامها.

يؤثر البورنو على مختلف الجوانب الحياتية للشخص؛ فسلوكه يتأثر بما يراه ويعتاد الأفعال الشاذة ويراها طبيعية، كما أنها تجعله ينفر من شكل جسمه أو جسم شريك حياته لتطلعه إلى الصورة المثالية التي تُسوق في الأفلام والصور الإباحية، بالإضافة إلى أنها تدمر إنتاجيته في العمل وتخفض كفاءته، لكن أخطر ما تفعله هو قدرتها على إحداث تغييرات في الدماغ تجعل الأمور خارج نطاق السيطرة بشكل كبير، وسنتعرف على كيفية حدوث ذلك بالتفصيل.

تتشكل مسارات عصبية جديدة

يتكون الدماغ من حوالي 100 مليار عصب يسمى الخلايا العصبية التي تحمل الإشارات الكهربائية ذهابًا وإيابًا بين أجزاء الدماغ، لتتخيل معي أنك تتعلم العزف على أوتار آلة الغيتار حينها يرسل دماغك إشارة إلى يدك تخبرها بما يجب عليه فعله، وبينما تنطلق هذه الإشارة من العصبون إلى الخلايا العصبية تبدأ الخلايا العصبية المنشطة بتشكيل وصلات، فتشكل في النهاية تلك العصبونات التي جرى توصليها حديثًا ما يسمى بالمسار العصبي.

الأمر أشبه بدرب في الغابة في كل مرة يُستخدم فيها يصبح أوسع وأطول، على الناحية الأخرى عندما تنتقل رسالة عبر المسار العصبي يصبح المسار أقوى، مع زيادة التكرار يكون مسارك العصبي قويًّا جدًّا بحيث يعمل دون حتى أن تبذل جهدك في التفكير، يظهر ذلك عند تعلمنا لأي مهارة جديدة مثل حل المسائل الرياضية أو قيادة السيارة، فالممارسة المتكررة للفعل تجعل القيام به سلسًا للغاية.

dbd88da3e4.jpg

المسارات العصبية- المصدر: موقع «Integrative Practitioner»

وبما إن هناك منافسة شرسة للغاية بين مسارات المخ على الموارد من طاقة وأكسجين، فإنه من المرجح استبدال المسارات التي لا تُستخدم بما فيه الكفاية فالقوي وحده من ينجو، وهنا يأتي دور البورنو الذي يعد عاملًا قويًا في تشكيل مسارات جديدة طويلة الأمد في الدماغ ولا يستطع أي نشاط آخر هزيمتها في المنافسة، بما في ذلك الجنس الفعلي مع الشريك الحقيقي، ويشرح الدكتور نورمان دويدج الباحث في جامعة كولومبيا الأمريكية لنا ذلك الأمر شديد التعقيد بقوله: «تخلق الإباحية الظروف الملائمة وتحفز إطلاق المواد الكيميائية الصحيحة؛ لإجراء تغييرات دائمة في الدماغ».

وتكون الظروف مثالية لتشكيل مسارات عصبية قوية عندما يكون الفرد فيما يُسمى علميًا بحالة التدفق، وهي حالة مرضية للغاية من الاهتمام المركز يبدو معها فعل أي شيء آخر غير مهم، ربما تكون قد اختبرتها عندما كنت تلعب لعبة نجحت في جذب شغفك إليها، فاندمجت معها لدرجة أنك فقدت إحساسك بالوقت وكنت تريد أن تستمر للأبد فيما تفعل.

تنطبق هذه الحالة على مدمن الإباحية الذي يجلس أمام شاشته في ساعة متأخرة من الليل منغمسًا في مشاهدة مواد البورنو بنشوة بالغة، تجعله لا ينتبه لأي شيء يحدث من حوله حتى احتياجه الشديد للنوم، ذلك الشخص هو في حالة مثالية لتشكيل مسارات الخلايا العصبية، وكل ما يفعله هو الانتقال من صفحة إلى أخرى بحثًا عن الصورة المثالية التي يتوهم أنه سيجدها، غير مدرك أن كل صورة يراها تعزز لديه المسارات التي يصنعها في دماغه، وستصبح تلك الصور راسخة بعمق في ذهنه، يتذكرها لسنوات طويلة قادمة وربما في بقية حياته.

تختل كيمياء المخ

تُغير مشاهدة البورنو من معدل المستوى الطبيعي للدوبامين في الدماغ ويوضح لنا الدكتور روبرت نافارا معالج الإدمان الأمريكي ذلك بقوله: «إن ما يحدث في الإدمان على البورنو هو أن نظام المكافآت يحصل على تحفيز مفرط، ويربك الدوبامين الدماغ بمستويات أعلى منه بشكل لا يستطيع إدارتها».

ويحدث الإدمان على الإباحية من خلال مرحلتين الأولى عندما تُغمر مسارات المكافأة في الدماغ بمستويات عالية من الدوبامين، وبمرور الوقت يحتاج الشخص لإثارة أعلى حتى يصل إلى المتعة المطلوبة، أما المرحلة الثانية فعندما تتأثر الفصوص الأمامية التي تعمل على صنع القرار والتحكم في الانفعالات، فتظهر قرارات سيئة مثل تصفح الإباحية في أماكن العمل أو البحث عن محتوى إباحي متطرف.

dc89f92e53.jpg

المصدر: موقع مجلة سيدتي

عندما ينظر مدمنو البورنو إلى المواد المعروضة أمامهم فإنهم يعانون من الارتفاع المفاجئ للدوبامين في الدماغ، الذي يُوقف إنتاجه في النهاية ويترك المدمن وهو يريد أكثر لكنه غير قادر على الوصول إلى مستوى مُرض من الارتياح، ونتيجة ذلك تتوقف المتع اليومية التي تسبب الإثارة ويسعى الشخص للوصول إلى مواد إباحية أكثر كثافة للحصول على نفس درجة المتعة السابقة، يؤدي هذا الخلل إلى ظهور عدة مشاكل مثل الضعف الجنسي مع الشريك والاستمناء المتكرر مع القليل من الرضا، إلى جانب المزيد من القلق والتعب وعدم القدرة على التركيز.

من ناحية أخرى هناك مواد كيميائية في الدماغ تُطلق أثناء ممارسة الجنس أو مشاهدة الإباحية مثل هرموني الأوكسيتوسين والفازوبرسين، اللذين يساعدان الشخص على تذكر الذكريات طويلة المدى، والعمل على تكوين علاقة وثيقة بين الذاكرة والكائن المانح للمتعة الجنسية، لذلك إذا كان الدماغ يربط المشاعر الجنسية بتجربة إباحية فإنه سيوجه الشخص إلى الإباحية في كل مرة تنشأ فيها الرغبة الجنسية بدلًا من التجربة الجنسية الحقيقية.

تتقلص المادة الرمادية في الدماغ

يمتد تأثير إدمان الإباحية إلى إجراء تغييرات في بنية الدماغ، فقد أجرى معهد ماكس بلانك الألماني لعلوم الإدراك البشري والدماغ دراسة نُشرت نتائجها عام 2014، خضع فيها 64 ذكرًا تراوحت أعمارهم بين 21 إلى 45 عامًا للبحث، وذلك بطلب منهم ملء استبيانات عن الوقت الذي يقضونه في مشاهدة الإباحيات خلال الأسبوع الذي بلغ في المتوسط أربع ساعات.

b3fc5688ea.jpg

رسم تفصيلي يوضح موقع المادة الرمادية في الدماغ- المصدر: ويكيبيديا

لكن المفاجأة تمثلت في توصل الباحثين بعد فحص أدمغة المشاركين في الدراسة باستخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي، إلى أنه كلما زاد عدد الساعات التي يقضيها الشخص في مشاهدة المواد الإباحية تقلصت المادة الرمادية الواقعة بالقرب من مقدمة الدماغ، والمعروف عنها تأثيرها في نظام المكافأة بالإضافة للعديد من المهام الأخرى.

البورنو والمخدرات.. ما أوجه التشابه؟

ذكرنا سابقًا العلاقة بين إدمان البورنو وزيادة الضغط على مستويات الدوبامين، مما يجعل المدمن لا يشعر بالراحة والمتعة دون ارتفاع الدوبامين إلى مستوياته غير الطبيعية، ويشعر بالقلق الذي لا يتوقف حتى يعود لمشاهدة المزيد من المقاطع أو الصور، ومع مرور الوقت تتحول الإباحية عنده إلى إدمان ويكتشف أنه من الصعب عليه التوقف، وهو ما يرى رئيس المعهد القومي الأمريكي لمكافحة المخدرات أنه يتطابق مع أعراض الإدمان الكلاسيكية.

بشكل عام يلعب الدوبامين الدور الأكثر أهمية في إدمان البورنو، وفي الوقت نفسه تتشابه بعض أنواع المخدرات مثل الكوكايين والأمفيتامين والميثامفيتامين مع هذا النوع من الإدمان في عملها مباشرة على نظام الدوبامين، فالتعرض للمواد الإباحية يؤدي لإدمان الإثارة ويصبح الدماغ يفضل الصورة عن الشريك الواقعي.

219e29eebe.jpg

إدمان الإباحية- أرشيفية

وقد وجدت دراسة أجرتها جامعة كامبريدج البريطانية عام 2014 أن تضاؤل مسارات المتعة في دماغ مدمن الكحول، هو نفسه ما يحدث عند مدمن البورنو الذي رغم تطلعه لمشاهدة المزيد من المواد إلا أن درجة استمتاعه بها لا تزيد كما يتوقع.

كما توصل الباحثون في الدراسة إلى وجود ثلاث مناطق في الدماغ تكون أكثر نشاطًا عند الأشخاص الذين يعانون من السلوك الجنسي القهري، هي المخطط البطني والقشرة الحزامية الأمامية الظهرية المسئولة عن توقع المكافآت واللوزة الدماغية، وتعد نفس المناطق التي تُفعل في مدمني المخدرات عندما يتعاطون عقاقيرهم المفضلة.

استدعت خطورة انتشار البورنو مجلس الشيوخ الأمريكي إلى عقد جلسة استماع في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2004، موضوعها زيادة نسبة الإدمان على البورنو بين الأمريكيين، وقد أكدت الدكتورة ماري آن لايدن المتخصصة في علم النفس بجامعة بنسلفانيا الأمريكية خلال الجلسة، على أن نفس المعايير المستخدمة لتشخيص إدمان المخدرات يمكن تطبيقها على إدمان البورنو.

من ذلك أن إحدى السمات الرئيسية للإدمان هي زيادة التسامح تجاه المادة المُدمن عليها، فعند الإدمان على المخدرات يحتاج المدمن إلى جرعات أكبر على نحو متزايد، وهو نفس ما يحدث عند مدمن الإباحية الذي يحتاج لرؤية مواد أكثر تطرفًا للإحساس بنفس مستوى الإثارة التي مر بها في البداية.

تأثير كوليدج من الفئران إلى بني الإنسان

أثبتت العديد من الأبحاث وجود تأثير كوليدج في أنواع مختلفة من الحيوانات، فمثلًا عند الفئران إذا ما وضع فأر ذكر في قفص مع عدة فئران من الإناث سيتزاوج معهن جميعًا حتى يُنهك، ورغم ذلك إذا ما أُدخلت أنثى جديدة إلى القفص غالبًا سيتجدد اهتمامه بالجنس ويبدأ في عملية التزاوج معها.

73439cbb3d.jpg

مجموعة من الهامستر- المصدر: موقع «Petco»

لا يقتصر ظهور تأثير كوليدج على الذكور فقط ففي تجربة أُجريت على إناث الهامستر وجدوا أنها بعد التزاوج مع الذكر حتى الإرهاق، عندما يدخل ذكر هامستر جديد إلى القفص فإنها تُظهر اهتمامها من جديد بالجنس.

وقد وثق وجود نفس التأثير عند الرجال ففي إحدى الدراسات انقسم المشاركون الذكور إلى قسمين الأول تعرض أفراده لمثيرات جنسية ثابتة والثاني تعرض أفراده لمثيرات متنوعة، وجرى قياس مستوى الإثارة لديهم بواسطة جهاز يسجل التغيرات في محيط القضيب، وكانت النتيجة أن الرجال الذين تعرضوا لمُثيرات ثابتة أبدوا قدرًا أقل من الإثارة مع مرور الوقت، بينما حافظ أولئك الذين تعرضوا لمثيرات متنوعة على مستويات أعلى من الإثارة.

يرتبط هذا التأثير بإدمان الإباحية فيما يتعلق ببحث مدمنيها عن مجموعة متنوعة من الصور الجنسية الجديدة الصريحة بدلًا من أن يرضوا ويكتفوا بالصور التي شاهدوها مسبقًا، فالعقل يُوصل للشخص أن تلك الصور هي بمثابة شركاء جدد، مما يجعله يدور في دائرة مفرغة وراء المزيد من المواد الإباحية التي لا يكتفي منها مهما زاد عددها.