نشر فى : الإثنين 25 يناير 2016 - 10:20 م | آخر تحديث : الإثنين 25 يناير 2016 - 10:20 م

تشهد البلاد التونسية منذ أسبوع اندلاع سلسلة من الاحتجاجات السلمية التى يتزعمها الشباب المطالب بحقّ التشغيل، وهو أمر متوقّع إذ عبّر الشبان فى أكثر من مناسبة، عن غضبهم واستيائهم من كل الحكومات المتعاقبة التى عجزت عن معالجة ملف تشغيل المعطلين (بسبب إغلاق عديد الفنادق، والمؤسسات الصناعية ورحيل المستثمرين..) والعاطلين من أصحاب الشهادات العليا وغيرهم من الفئات الهشّة.


غير أنّ مسار هذه الاحتجاجات سرعان ما تغيّر فغاب الطابع السلمى ليحلّ العنف وتصبح عصابات النهب والسرقة المسلحة سيدّة الموقف وهكذا تغير اللاعبون فتوارى الشباب المطالب بالتشغيل الذى نظّم صفوفه وأعدّ شعاراته المندّدة بالفساد، والمحسوبية والمحاصصة الحزبية وغيرها من الممارسات التى زادت من تعقد الأوضاع. وفى المقابل ظهر المجرمون والمولعون ببثّ الفوضى وترويع الناس ومواجهة القوات الأمنية وحرق المؤسسات والاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة وإلحاق الأضرار وما كان للمنتمين لبعض الأحزاب الراغبة فى السطو على الحكم إلاّ استغلال الموقف وتحريض الشباب غير المسئول على المشاركة فى النهب بإغرائه بالأموال ولا غرابة فى ذلك مادام المال وسيلة لتحريك الشارع وإشعال الفتنة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ إذ استغلت الجماعات المتشددة الوضع لتندس وترفع الرايات السود وتنادى بقتل «الطاغوت» وإعلان الدولة الإسلامية وفى السياق نفسه بثّت داعش الفيديوهات المتوعدة بالهجمات والغزوات وإقامة «حدود الله» فى أرض لم تقم شرع الله.
***
والناظر فى سير هذه الأحداث التى أدّت إلى إعلان حالة الطوارئ يقف عند مجموعة من الاستنتاجات:
ــ لأوّل مرّة يتغيّر موقف المسئولين السياسيين من المحتجين بدءا برئيس الدولة وصولا إلى نواب الشعب فيعترفون بأنّ هذه التحركات مشروعة والحكومة تتفهم الوضع وهى ترى أن الاحتجاج حق مشروع كفله الدستور وتحاول أن تعالج المسألة المستعصية والتركة التى ورثتها عن الحكومات السابقة، وتعد بالانطلاق بتوفير بعض الحلول للقصرين أول مدينة منتفضة.
ــ لأوّل مرّة تتغير المعالجة الأمنية للتحركات الاحتجاجية فلا تسجل ضحايا فى صفوف المتظاهرين بل فى صفوف الأمنيين وسلك الديوان والحرس والحماية المدنية. والجدير بالذكر أن القوات الأمنية توخت سياسة ضبط النفس واعتمدت خطابا أبويا ينصح الشباب بمغادرة الساحات واحترام القانون وعدم الاعتداء على الممتلكات، وهو أداء إيجابى جلب التقدير والاحترام للأمنيين وغيرّ الصور النمطية التى لازمت هؤلاء منذ أشهر وانطلاقا من هذا التغيير أثبت الجهاز الأمنى أنّ بإمكانه أن يكون محايدا وأن يحمى المتظاهرين ويثبت قدرته على تغيير نمط العلاقة مع المواطنين وفق قيم الجمهورية الثانية والعقد الاجتماعى الجديد.
ــ ظهر مستوى التحضر لدى عدد من الشباب المحتج وبدا الحس بالمسئولية جليا فانقلب هؤلاء من محتجين ناقمين على الساسة إلى مدافعين عن الوطن فنظموا لجان حماية الممتلكات ونظفوا مقار المؤسسات الأمنية وساعدوا بعض الأجهزة الأمنية للتصدى للمجرمين. وقد نجم عن ذلك تغيير الخطاب الإعلامى حول المحتجين فما عاد الحديث عن الشباب المحتج بصيغة الإطلاق بل بدا الفرز والتمييز والدقة فى التمييز بين المحتجين السلميين وعصابات النهب.
ــ بالغت بعض وسائل الإعلام المحلية فى توصيف الأحداث مثبتة بذلك عدم حيادها ومهنيتها وخدمتها لأجندة حزبية وهيمنة المال والفساد على القطاع، وهو أمر كانت له انعكاسات على مستوى تشويه صورة البلاد وإبراز الاحتجاجات فى صورة ثورة ثانية لاسيما أنّها انطلقت من بؤر التهميش وبحادثة انتحار تذكّر بانتحار البوعزيزى.
ــ إنّ الائتلاف الرباعى لم يحضر ككتلة متراصة الصفوف ومدافعة عن خيارات موحدة قادرة على معالجة الأزمة وإنّما كان الزوج النداء/النهضة هو المدافع الوحيد عن قيم المواطنة وثقافة العمل وتكتل الصفوف وتفهم الأوضاع ولعلّ خطاب الغنوشى كان أكثر وعيا بالرهانات المطروحة فى هذا السياق فرأيناه ساعيا إلى حث الشبان على القيام بالمبادرات وابتكار المشاريع الحرفية بدل انتظار الانتدابات فى الوظيفة العمومية.
وسيّان إن توجه السبسى إلى أصحاب المؤامرات وخاطب الغنوشى الفئات الغاضبة فإنّ الكلمات المفاتيح ظلّت غائبة: الإرادة السياسية على تفعيل المحاسبة والمساءلة والشفافية ومكافحة الفساد.

أستاذة بالجامعة التونسية