خلال الأسبوعين الماضيين، شهدت العلاقات بين مقاطعتي ألبرتا وكولومبيا البريطانية في كندا توترًا وتصعيدًا غير مسبوقين؛ بسبب مشروع خط الأنابيب «ترانس ماونتن». فبعدما عبّرت حكومة ألبرتا عن رغبتها بتوسيعه -علمًا بأن ترانس ماونتن ينقل النفط من إدمنتون إلى مدينة بورنابي في جزيرة فانكوفر على سواحل المحيط الهادي- لقي هذا المشروع معارضة حادة من مقاطعة كولومبيا البريطانية، التي تتخوف من أن أي تسرب نفطي قد يؤدي إلى تلويث سواحلها. وقد احتدم هذا الخلاف وتطور إلى حرب تجارية، فبعدما قاطعت ألبرتا بعض منتجات جارتها كالنبيذ والكهرباء، ها هي الآن تقدم مشروع قانون لوقف صادراتها من البنزين لكولومبيا البريطانية.

ونتيجة هذا المأزق، هدد المتعهد الأمريكي للمشروع «مجموعة كيندر مورغن» بالانسحاب، وهو ما قد يمثل ضربة موجعة لرئيس الوزراء جستن ترودو المتمسك بأنبوب «ترانس ماونتن»، والذي من المتوقع أن ينقل 890 ألف برميل يوميًّا، بدلًا من 300 ألف حاليًّا. وسيمكن هذا المشروع البالغ تكلفته 7.4 مليار دولار الصناعة النفطية في ألبرتا من بيع إنتاجها المتزايد في أسواق جديدة، خاصة الصين والهند. وتسعى الصناعة النفطية الكندية إلى بناء أنابيب جديدة، خصوصًا في اتجاه المقاطعات الشرقية «أونتاريو وكيبك والمقاطعات البحرية»، وذلك من أجل الوصول إلى حلفاء جدد، والتقليص من الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر مورد للنفط الكندي، خاصة وأن أتاوا صارت تتوجس من السياسات التجارية الحمائية للرئيس الأمريكي، وإمكانية فرضه رسومًا جمركية على الصادرات الكندية «حرب خشب وحليب بين أميركا وكندا«.

حسابات سياسية وعين على الانتخابات القادمة في 2019

اضطر رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في الأسبوع الماضي إلى تعديل جدول أعماله، الذي تضمن مواعيد دولية مكثفة «قمة الأمريكتين في بيرو وجولة في فرنسا وبريطانيا» للانصراف إلى حلحلة الأزمة التي ألقت بظلالها، ليس فقط على العلاقة بين مقاطعتي ألبرتا وكولومبيا البريطانية، بل على مستقبل الوحدة والاتحاد الفدرالي، وعلى إثر اجتماع ثلاثي ضم كلًّا من ترودو، ورئيسة حكومة ألبرتا راشيل نوتلي، ورئيس حكومة بريتيش كولومبيا جون هورغان، خرج رئيس الوزراء الكندي ليعلن أن حكومته ستقدّم مشروع قانون يهدف إلى إعادة تأكيد السلطة الفدرالية في كل ما يتعلق بمشاريع الطاقة التي تعبر حدود المقاطعات.

وبعدما رفض في 2016 أنبوبًا آخر (Northern Gate) كان من المفترض أن يربط ألبرتا بساحل كولومبيا البريطانية، يدافع ترودو هذه المرة عن توسيع «ترانس ماونتن» ويؤكد أن التنمية الاقتصادية وحماية البيئة يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب. وينطوي هذا الموقف على مخاطر يمكن أن يواجهها في ضوء الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2019، فقد وعد ناخبيه أثناء الانتخابات السابقة بخفض انبعاثات غاز الدفيئة «غاز ثاني أكسيد الكربون، غاز الميثان، غاز الأوزون، وغاز الكلوروفلوركربون» الذي يأتي معظمه من استغلال الرمال النفطية في ألبرتا. وتجدر الإشارة الى أن كولومبيا البريطانية هي واحدة من المقاطعات الثلاث مع أونتاريو وكيبك التي انتخبت العدد الأكبر من نواب حزب ترودو عام 2015، بينما ألبرتا غير ممثلة إلا بثلاثة من أصل 183 نائبًا ليبراليًّا في مجلس النواب. ومع إصراره على دعم مشروع «ترانس ماونتن»، فقد يضطر ترودو إلى التضحية ببعض الأصوات في مقاطعة كولومبيا البريطانية من أجل إرضاء واستمالة جزء كبير من الناخبين في مقاطعة ألبرتا، التي كانت لفترة زمنية طويلة، وما زالت محسوبة على المحافظين.

ويتسم الوضع بمزيد من الخطورة والحساسية لرئيس وزراء كولومبيا البريطانية جون هورغن، الذي اعتلى سدة رئاسة المقاطعة العام الماضي، بعد أن بنى حملته الانتخابية على معارضة الأنبوب، بالإضافة إلى دعم حزب الخضر والأمم الأولى. وتتميز التركيبة الحالية لبرلمان كولومبيا البريطانية بهيمنة طفيفة للحزب الليبرالي «حزب ترودو» بـ42 مقعدًا، في حين تحصل حزب الديمقراطيين الجدد «حزب جون هورغن» على 41 مقعدًا، ويبقى استمرار حكومته الأقلية رهنًا بدعم ثلاثة من نواب حزب الخضر المعارضين للمشروع. وبناء على ذلك، فإن أي تنازل قد يقدم عليه جون هورغن سيكون بمثابة الانتحار السياسي.

أما بالنسبة لرئيسة حكومة ألبرتا راشيل نوتلي، فإن استماتها في الدفاع عن الأنبوب -إلى درجة الإعلان عن استعداد المقاطعة للمساهمة المالية في هذا المشروع من أجمل طمأنة متعهد المشروع «مجموعة كيندر مورغن»- ستعزز رصيدها السياسي على مستويين: أولًا، من خلال دعم صورتها وترسيخها زعيمة ومدافعة شرسة عن مصالح مقاطعة تمثل الصناعة النفطية حجر أساس اقتصادها وأكبر مصدر دخلها. ثانيًا، من خلال قطع الطريق على المحافظين الذين ما انفكوا ينتقدون سياساتها الاقتصادية التي يعدونها «يسارية» وقائمة على إثقال كاهل المواطنين بضرائب جديدة «على سبيل المثال ضريبة على انبعاث الكربون».

المعادلة المستحيلة: الاقتصاد أم البيئة؟

يعيد هذا الخلاف بين مقاطعتي ألبرتا وكولومبيا البريطانية الجدل السائد حول العلاقة الجدلية الكائنة بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، والتي تعد من المسائل التي أمست تشغل بال الكثير من صناع القرار والسياسيين والناشطين في المجتمع المدني على المستويين المحلي والعالمي. ولئن كانت منافع توسيع الأنبوب عديدة كخلق مواطن شغل وتوفير إيرادات إضافية بقيمة 73.5 مليار دولار قد تستغل من أجل دعم قطاع التعليم والصحة، وتحسين البنية التحتية، والاستثمار في مشاريع عملاقة ستجعل من ألبرتا واجهة جذابة للاستثمارات الأجنبية، فإن الهاجس البيئي لمقاطعة كولومبيا البريطانية مفهوم ومعقول. ويبدو أن أي محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع والمضي قدمًا في عمليات توسعة الأنبوب قد يؤدي إلى اضطرابات ومظاهرات في مقاطعة كولومبيا البريطانية وحملات للتصدي لسير الأشغال. وقد حذر مراقبون ومحللون من إمكانية تحول الخلاف إلى أزمة دستورية ولذلك، يتوجب على الحكومة الفدرالية التدخل من أجل توفير الاعتمادات المالية اللازمة، وإيجاد آليات وبرامج لحماية السواحل الغربية من أي تسرب نفطي قد يشكل كارثة بيئية على الإنسان والحيوان.

ومن هذا المنطلق يتوجب أخذ عنصر حماية البيئة بعين الاعتبار في كل المجهودات الهادفة إلى تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية. إذ لا بد من دعم برامج التنمية المستدامة، والتي تعني النهوض بمستوى معيشة السكان من خلال السياسات الاقتصادية التي تحقق النمو والتنمية، دون الإضرار بالتوازن البيئي، أو مصادرة المستوى المعيشي والحقوق البيئية للأجيال المقبلة.

ومع تنامي خطر الانحباس الحراري والتغيرات المناخية، أضحت الرهانات والسياسات البيئية من بين المسائل التي تلعب دورًا كبيرًا في إسقاط حكومات وصعود غيرها. فهل يدق مشروع توسيع أنبوب «ترانس ماونتن» -إن وقع فرضه بقوة القانون- آخر مسمار في نعش حكم رئيس حكومة بريتيش كولومبيا جون هورغان؟