سنوات مرت على انطلاق ملحمتنا الثورية فى 25 يناير 2011 والتى أرى فى أحداثها المتأرجحة بين الأمل /الاعتزاز /الافتخار، وبين الخيبة /الانكسار/الإحباط، تماثل إلى حد كبير مع تلك الثورات التاريخية والحديثة. واليوم وأنا أتطلع للاحتفاء بالذكرى الخامسة لأعظم ما ابتدعه الشعب المصرى فى تاريخه الحديث (الاعتصام الحضارى لمدة 18 يوما) لانتزاع الحق بالحرية والخبز معا، تقلقنى تلك الأصوات المشتغلة بالإعلام والسياسة، المحسوبة على السلطات والتى تشكك فى مشروعية الملحمة على الرغم من «دستورنا» والتحية العسكرية التى أداها المجلس العسكرى لشهدائها. وتزعجنى أيضا تلك الأصوات الناكرة لمسعى شعبنا المستمر لإسقاط خيار «الخبز أم الحرية» المفروض عليه من قبل الفاشية الوطنية منذ خمسينيات القرن الماضى. وإننى أعتقد أن تلك الأصوات تهدد حاضر ومستقبل الاستقرار والتنمية فى المحروسة بما تدعيه أن الملحمة الثورية ما هى إلا مؤامرة دولية لإحداث الفوضى الخلاقة عبر الخونة من الشباب والرجال والنساء، لإسقاط النظام الذى يوفر الخبز والاستقرار للشعب المصرى، الذى لا يأبه من جهته (أو غير جدير من وجه نظرهم) لقضية الحرية (الدستور والديمقراطية وحقوق الإنسان)!! كأنه شعب من العبيد.


ولبيان مدى تهافت هذا الادعاء، سأستعرض معكم فيما يلى نبذة عن المراحل التى عاصرتها منذ 52 حتى 25 يناير.
***
المرحلة الأولى فى سبتمبر 1970 حين فقد الشعب المصرى قائد ثورة 52 التى استهدفت وضع نظام ديمقراطى سليم وتحرير الوطن والمواطن. ثم ألغى ناصر دستور 23 إنجاز ثورة 19 الذى كان حلما للمصريين بعد دستور الثورة العرابية والذى ترعرعت فى ظله الليبرالية المصرية (للأسف لم يتم تفعيل مشروع دستور 54) وأسس للفاشية الوطنية التى تؤمن الخبز مقابل التغاضى عن الدستور والقانون الذى يؤمن حرية المواطن، بذريعة التصدى للمؤامرات الداخلية والخارجية. ومع أن نظام ناصر قد حقق الكثير من الإيجابيات الضخمة للشعب المصرى، إلا ان نظامه الفاشى أمات السياسة وأمم الاقتصاد والمجال العام وعسكر الحياة المدنية وغيب وعى الجماهير، وهو ما أدى إلى هزيمة 67. ومن المعروف أن ناصر منذ 54 استمر فى إقصاء كل النخب (رفاق الثورة خالد محيى الدين) والقوى السياسية المطالبة بالحرية. ولكن بعد الهزيمة ثم الانتفاضة الكبرى للشباب 68، أعلن ناصر تخليه عن نظامه الفاشى وأبعد القوات المسلحة عن الحياة المدنية، بإعلانه بيان 30 مارس 68 كخريطة طريق لاسترجاع حرية المواطن والوطن وتحقيق النمو والتنمية.
أما الثانية فبدأت فى أكتوبر 81 عندما أغتيل أنور السادات الذى بدأ عهده بالانحناء لتمثال ناصر ثم تخلص من أصحابه وسياساته ومنها العدالة الاجتماعية ثم قاد ملحمة العبور واسترجاع سيناء. اشتهرت تلك المرحلة بـ: استخدام السلطة المفرط للدين فى السياسة ودفع الشباب لمساندة طالبان ثم التنكيل بهم بعد انتهاء الحاجة اليهم، مما انعكس بشدة على قيم المواطنة والسلام الاجتماعى / إحياء الرأسمالية غير المنضبطة والديمقراطية المظهرية بإصدار دستور وإلغاء العمل به بقانون الطوارئ (الفاشية الوطنية بدستور غير مفعل) / الإطاحة بمظاهر الحرية التى اصطنعها عبر حل مجلس الشعب لمعارضة 15 عضوا لاتفاقية كامب ديفيد بعد أن أقر تعديلات دستورية تسمح له بمدد مفتوحه للرئاسة / اعتقال نحو 1500 من القيادات الفكرية والسياسية والدينية فى ليلة واحدة.
خلال تلك المرحلة اندلعت إحتجاجات عمالية وفئوية ومن شباب الجامعات (لا ننسى وقفة عبدالمنعم أبوالفتوح وحمدين صباحى ورفاقهما)، للمطالبة بالحرية والخبز معا.
والمرحلة الثالثة فى 11 فبراير حين تنحى مبارك وتنازل عن سلطاته إلى المجلس العسكرى ضاربا بالدستور عرض الحائط!! بعد أن جرّف المحروسة من قوتها الصلبة والناعمة وحولها إلى دولة شاخت وترهلت عبر: الفاشية الوطنية بدستور غير مفعل مع استخدام الفساد والإفساد أسلوبا للحكم/ الإفراط فى استخدام الإعلام لتزييف وعى الجماهير بالمشروعات الفاشلة / إجراء تعديلات دستورية لتقنين تزوير الانتخابات، ولتأمين اختيار الوريث/ إلغاء انتخابات العمد وحولهم إلى موظفين تابعين للداخلية/ تدنى خدمات الدولة فى التربية والتعليم والثقافة والصحة إلى درجة غير مسبوقة / عدم الاعتداد بالعلم والتخطيط (إبراهيم عبدالرحمن ورفقائه)..... إلخ.
***
وعلى إثر بزوغ عصر مجتمع المعلومات الذى تملكه الشباب وانتشار القنوات الإعلامية، بجانب مناخ عالمى مطالبا بحقوق الإنسان، فضلا عن المؤتمرات الدولية بمشاركة المنظمات الأهلية وخاصة مؤتمر السكان والتنمية الذى عقد بالقاهرة فى 94، ومؤتمرات وأنشطة مكتبة الإسكندرية (وثيقة الإصلاح)، ازداد نشاط الجمعيات الحقوقية والأحزاب والترابطات السياسية والمجتمعية والنقابات المهنية مطالبة بالحرية والخبز معا وتم تكوين «الجبهة الوطنية للتغير» (قياده د.م عزيز صدقى) التى جمعت الأحزاب (ماعدا حزب الغد) مع جماعة الإخوان المسلمين. وتكونت المبادرات الأهلية «المجتمع الوطنى للتحول الديمقراطى»، «صوتى مطلبى» والحركات الواقعية «كفاية التى انتزعت حق الصوت الاحتجاجى فى التظاهر و6 أبريل، 9 مارس». ثم طرح البرادعى مطالبه السبعة وكون الجمعية الوطنية للتغيير ومن قياداتها «حسن نافعة، عبدالجليل مصطفى، بهاء شعبان، كريمة الحفناوى، معين مختار، إبراهيم عيسى، علاء الأسوانى.... الخ». ولا ننسى أيضا الجماعة الوطنية بقيادة حمدى قنديل وحملات طرق الأبواب بقيادة جورج إسحق، وحملة تجميع التوقيعات الإلكترونية التى وصلت لنحو مليون «عبدالرحمن يوسف/مصطفى النجار»، وتصاعدت أنشطة منظمات المصريين بالخارج وخاصة الأمريكية.
ولاهتزاز قدرة النظام على التحكم ارتفعت الأحداث الطائفية «كنيستى الإسكندرية ونجع حمادى» وازدادت الممارسات المشينة «خالد سعيد، عبدالوهاب المسيرى وحرمه، عبدالحليم قنديل، رضا هلال، هروب صاحب عبارة 1000 شهيد...الخ».
وبناء عليه أصبحت قضايا الوطن والمجتمع حديث كل الناس نقدا للواقع وتطلعا إلى مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم.
وعليه تجمع نحو 300 شخصية من النخب الوطنية لصياغة وثيقة لمستقبل مصر نحو بناء دولة عصرية (مدنية، ديمقراطية) بقيادة الراحلين عزيز صدقى ومحمود محفوظ وبمشاركة يحيى الجمل / على السلمى / عبدالمنعم أبو الفتوح / أمين إسكندر/ حامد عمار/ عبدالفتاح القصاص/ حسب الله الكفراوى/ سكينة فؤاد/ عبدالحميد الغزالى/ سامى أرميا / سمير مرقص / عبدالغفار شكر/ إجلال رأفت / يوسف القعيد/ إكرام لمعى/ فؤاد رياض....إلخ.
وتم أيضا طرح العديد من المبادرات تصديا لممارسات السلطة، فتكون «البرلمان الموازى» ممثلًا للمعارضة بعد تزوير انتخابات 2010 ومقره حزب الغد، ومجموعة انتخابات حرة وسليمة بقيادة المستشار محمود الخضيرى، وطرحت مشروعات قوانين توافق عليها جميع أعضاء المعارضة فى مجلس الشعب. وبسبب رفض مناقشة تلك المشاريع فى مجلس الشعب، كان أول اعتصام للقوى السياسية والمهتمين بالشأن العام فى مقر حزب الجبهة «أسامة الغزالى حرب»، وكانت أولى الوقفات الاحتجاجية فى ميدان التحرير للعديد من فئات المجتمع بجانب نواب المعارضة.
وبين مما سبق الإشارة إليه أن الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية فى المحروسة قد بلغت درجة من السوء لم تبلغها من قبل، ومع رفض مبارك لنداءات التغيير، جعلت من انطلاق الملحمة الثورية الخيار الأوحد للخلاص من الفاشية الوطنية الفاسدة بدستور غير مفعل.
وفى صباح يوم 25 انطلقت مع بعض الأخوات والإخوة من مقر الهيئة العامة للشبان المسيحية إلى دار القضاء العالى للانضمام للوقفات الاحتجاجية التى دعا إليها وشارك فيها وقادها شباب من أنقى من أنجبته المحروسة وطنية وإخلاصا (كما أعتقد).
***
وأنهى كلماتى بأن أؤكد على ما يلى:
أولا: الأسماء التى أشرت إليها (من الآلاف فى مقامهم) للدلالة فقط على مساهمة مختلف التوجهات الفكرية فى انطلاق الملحمة الثورية.
ثانيا: إن المستقبل الآمن والمستقر للمحروسة من المحال أن يتحقق إلا إذا ما تمسك المجتمع والتزمت السلطات باحترام وحماية وتفعيل «دستورنا» أهم ما أنجزته الملحمة الثورية 25/30 بعد رحلة طويلة استمرت نحو 60 سنة.

ناشط فى المجال العام