815d31cc-e795-4499-be40-3c8bb950c3cb.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

صلاح الدين الجورشي

أفاد المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية، في أحدث دراسة له، بأن عدد موظفي القطاع العام بلغ أكثر من 690 ألف موظف خلال سنة 2017، بعد أن كان العدد لا يتجاوز نحو 445 ألف موظف في سنة 2011.

يعاني القطاع العام في كل الدول العربية أزمة هيكلية عميقة. وليس الأمر جديدا، حيث تراكمت الصعوبات منذ فترة طويلة، ومع كل مرحلة تلجأ الحكومات المتعاقبة إلى اتخاذ إجراءاتٍ تصفها بالإصلاحية، لكنها تصب في اتجاه ليبرالي، يميل نحو التراجع عن مكاسب مهمة، تم إقرارها في المرحلة التي تلت الاستقلال وبناء الدولة الوطنية في معظم البلاد العربية. وبقدر الحركية الاقتصادية التي أحدثتها تلك الإجراءات، والتي يجب الاعتراف بأن عديدا منها ضروري، بحكم المتغيرات الجذرية الجارية منذ سنوات طويلة داخل المنظومة الاقتصادية العالمية، ذات المضامين الرأسمالية الأكثر تطرفا. وبالتالي، أصبح غير ممكن أن تبقى الاقتصادات المحلية منعزلةً وبعيدةً عن تلك المتغيرات. ولهذا دفعت الحكومات دفعا نحو تنفيذ برامج تصاعدية، هدفها تحقيق تكيف المحلي مع الدولي.
في مقابل تلك الحركية، أخذت المسافة تتسع بين الفئات الاجتماعية، كما وجدت الدولة نفسها تتراجع عن أدوراها التاريخية، وعن واجباتها في حماية الاستقرار وضمان التوازن بين مواطنيها ومجتمعاتها.
لن تكون معركة الدفاع عن القطاع العام سهلة، خصوصا أنها قطعت أشواطا سابقة. ولا يعود ذلك فقط إلى كلفتها الاجتماعية الباهظة، ولكن أيضا إلى عدم قدرة الحكومات المحلية على مواجهة الضغوط القاهرة التي تمارسها الجهات المانحة، فتونس اليوم غير قادرة على قطع صلاتها بأهم مؤسسات التمويل الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والصندوق الأوروبي للتمويل وغيرها. فهي من جهة مرتبطةٌ عضويا بالدورة الاقتصادية العالمية، ومن جهة أخرى، بحكم كونها بلدا صغيرا لا تستطيع أن تملي شروطها على الكبار، وهو ما ضيّق هامش المناورة لديها. وتستوي في ذلك حكومة الشاهد أو الحكومة التي ستعقبها، لأن التحوير الحكومي الذي يطالب به بعضهم لن يغير شروط المعادلة، بقدر ما يوهم الوزراء الجدد بأنهم أقدر من سابقيهم على الفعلين، الاقتصادي والاجتماعي، لكن بعد فترة وجيزة من محاولة تحسين شروط الدائنين، قد يتوصلون إلى تعديلاتٍ، لكنها لن تغير المسار العام، فبعد الثورة كان الحس الاجتماعي حاضرا لدى المسؤولين بحكم الرغبة في تلبية جزءٍ من مطالب الجماهير الراغبة في الاستفادة من ثمرات المرحلة الجديدة.
وقد أفاد المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية في أحدث دراسة له بأن عدد موظفي القطاع العام بلغ أكثر من 690 ألف موظف خلال سنة 2017، بعد أن كان العدد لا يتجاوز نحو 445 ألف موظف في سنة 2011. هذه الطفرة في تشغيل طالبي الشغل في مؤسسات القطاع العام سرعان ما فاقم من أزمتها، ودفعت الحكومات الموالية إلى إعلان صيحة فزع، إلى أن قرّرت منع قبول موظفين جدد، إلى جانب تشجيع العاملين حاليا على مغادرة وظائفهم في سن مبكرة. وهذا يعني أن الجرعة كانت أقوى مما يتحمله القطاع العام.
ويمكن في هذا السياق فهم المعركة الشرسة التي انطلقت أخيرا بين النقابات ورئيس الحكومة، يوسف الشاهد، بشأن مصير القطاع العام في تونس. وتعتبر المواجهة الجارية بشأن التعليم جزءا من معركة الاختيارات الكبرى المتعلقة بسياسات المرحلة المقبلة، قد يتم الاستجابة لبعض مطالب الأساتذة، إلا أن التوافق بشأن مضامين الإصلاح التربوي سيبقى مسألة معقدة. كما أن ذلك سيفتح أبوابا أخرى، تتعلق بالصحة والفوسفات والثروات الطبيعية والسوق الموازية وانفلات الأسعار وتدهور قيمة الدينار أمام الدولار واليورو.
ليست المعركة حاليا جزئية، وإنما هي معركة الاختيارات الكبرى التي حان الوقت لحسمها، حتى لا تصبح الحقوق من دون مضمون اجتماعي عادل، فالدفاع عن القطاع العام معركة مشروعة، ولكن عند محاولة التمييز بين المؤسسات الاستراتيجية والمؤسسات التي يمكن التفويت فيها لصالح القطاع الخاص من دون أن تكون لذلك تداعيات سلبية على المجتمع، يثار عندها جدل آخر بشأن تحديد الجدوى، والعودة من جديد حول نقاط التماس بين القطاعين العام والخاص. من يريد فرض شروطه على الآخر لن يحقق أهدافه. الحلول الوسطى هي السبيل الأفضل والأكثر أمانا لمن يرغب في تجنب تقسيم البلاد، وإدخالها في الفوضى واستعراض القوة.

إعجاب تحميل...