مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

محمود عبد المجيد عساف (فلسطين)

الحاكم مسؤول عن الرفق بالرعية وتوصيل الحقوق إلى أصحابها من دون أن يطالبوا بها، وعدم معاقبة أحد بالظن وترويعه أو الإساءة إلى سمعته، وأن الحاكم مسؤول عن فتح بابه أمام أصحاب الحاجات، سواء كانت مطالبة بحق أم مرتبطة برفع ظلم.

ضاقت تلك التي رحبت، ونعني الحياة، فيما اتسعت دائرة فلسفة الموت، فهل عجزت الأمة وفقهاؤها وقادتها عن إخفاء العيوب الفكرية والجسدية والتشوهات المعرفية بشأن مفهوم الحياة ومقوماتها؟ وهل ضاقت المفاهيم بشان الرباط والجهاد لتنحصر في الموت؟ ولم لم تتلبسنا نزعة صناعة الحياة كوجه للجهاد والعبادة؟
تصارع الفكر في رأسي، وتكاثرت الأسئلة بشان ما نحن فيه، وليس تشكيكاً في حقنا في تقرير مصيرنا كعرف قانوني والباطل البين في وجود الاحتلال على أرضنا، والذي لا يمكن أن يكون له دولة فقط بوضوح النصوص الشرعية، وإنما انطلاقاً من القانون الدولي الذي أبرز حالات تكوين الدول، والتي تلخصت في الاستقلال، الانفصال، التفكك، الوحدة. لكني أتساءل: هل نحن قدر قادتنا أم أنهم قدرنا الذي جثم على أرواحنا، يأبى الانفكاك حتى خلاصنا؟
بعيداً عن الواقع وهلامية تعريف الشرعية من حيث الازدواجية والقبول وممارسة السلطة، أجمع علماء الاجتماع على أن مصادر الشرعية تتمثل في التقاليد، الزعامة الملهمة (الكاريزما)، والعقلانية القانونية، وتتبعت التاريخ الحامل للنظام السياسي العربي منذ الخمسينات، فوجدت أن الشرعية السياسية لأغلب الأنظمة العربية قد تآكلت لسبب واضح وجلي، هو وهم العدالة الاجتماعية والفشل الذريع في حفظ كرامة الإنسان، وتحقيق قيم الديمقراطية والمشاركة السياسية.
وكرد فعل للحركة السياسية، وإنقاذ الشرعية المتهاونة لبعض الأنظمة والإيديولوجيات الحزبية الحاكمة، تم تطبيق ثلاث إستراتيجيات على المستوى الشعبي، أبقت الناس في صراع دائم، تمثلت في: النزوع إلى القبول الوهمي بالتعددية السياسية المقيدة لتخفيف الضغط عن النظام السياسي، وإتاحة الفرصة للمعارضة لأن تعبر عن نفسها في حدود الدائرة التي لا تقبل تداول السلطة، وفي ممارسة القمع المباشر ضد الحريات والحقوق، وعدم قبول الآخر، وفي تمثيل القيادة، وهو بيع الوهم الوطني والحفاظ على الثوابت والحقوق من خلال الخطابات والإرث السياسي، وتسوير المصالح بأن القيادة الحالية هي التي لا بديل عنها.
ولعل هذه الإستراتيجيات أدت إلى شيوع اللامبالاة السياسية بين الجماهير المقموعة، والتناقضات الفكرية، والانفصام الوطني إلى الحد الذي أصبحت فيه مقدرات الوطن للسلطة الحاكمة والوطنية للفقراء والضعفاء.
وعدت بالتفكير إلى النقطة التي تحولت عندها للبحث، هل نحن قدر قادتنا أم هم قدرنا؟ فعدت إلى النبش بين الورق، لأرى ما إن تتحقق مقومات الحاكم فينا أم لا، ولم أبعد في النبش عما جاءت به تعاليم الدين الإسلامي، فوجدت أن: الحاكم مسؤول عن رعاية المحكومين، وذلك بجلب المصالح لهم ودرء المفاسد عنهم، وحسن سياستهم، ويدخل في ذلك رعاية الحقوق، وأن الحاكم مسؤول عن العدل بين المحكومين، وأن الحاكم مسؤول عن الرفق بالرعية وتوصيل الحقوق إلى أصحابها من دون أن يطالبوا بها، وعدم معاقبة أحد بالظن وترويعه أو الإساءة إلى سمعته، وأن الحاكم مسؤول عن فتح بابه أمام أصحاب الحاجات، سواء كانت مطالبة بحق أم مرتبطة برفع ظلم.
ولم أكمل، لأني عرفت الإجابة، ناهيك عما زاد الفقه فيه من ضرورة استشارة الحاكم وزراءه وأعوانه الذين أوجب الشرع حسن اختيارهم، وضرورة إلزامهم بإخلاص العمل والنية.
وعليه، وبرؤية الكاتب المواطن أدعو إلى رفض وجود أية معايير ثابتة لمفاهيم الشرعية ووطنية الأحزاب والتنظيمات السياسة، فما يفرض ثبات هذه المصطلحات، هو ما يقدمه أصحابها لحياة الناس وعدالتهم الاجتماعية، لا لموتهم أو ما بعد موتهم.

إعجاب تحميل...