الضربة المنسقة جيداً بين عواصم غربية ثلاث على مواقع للنظام في سورية انطوت على تحدٍ محسوبٍ بدقة، ليس لنظام الأسد المتهالك، وإنما لغطرسة الرئيس الروسي بوتين ونزعته الإمبراطورية، وشكلت، في حد ذاتها، خرقاً لحائط الصد الروسي الذي بدا منيعاً للغاية.

بدت خيبة الأمل طاغية على ردود أفعال معظم نشطاء المعارضة السورية، إزاء محدودية أهداف الضربة الثلاثية الغربية ضد مواقع لتصنيع الأسلحة الكيميائية في محيطي دمشق وحمص، وكانت مشاعر هؤلاء الذين رفعوا سقف التوقعات عالياً مفعمة بالإحباط واليأس والمرارة، إثر النتائج الهزيلة، والمفاعيل الضئيلة، لتصريحات الرئيس الأميركي النارية، وتهديداته المباشرة لنظام الأسد بدفع ثمن باهظ على فعلته المنقولة بالصوت والصورة من مدينة دوما، حتى إن بعضا من هؤلاء المخذولين اعتبر الضربة بمثابة عملية تلميع لصورة  الأسد، وتعزيز لمكانته الداخلية، وبالتالي فإن الضربة، والحالة هذه، تكون قد حققت عكس ما كان مأمولاً منها تماماً.
كان تشخيص الخائبين إزاء الضربة الانتقائية في محله تماماً، وكانت مقارباتهم الأولية لحصيلتها الموضعية، العسكرية منها والسياسية، صحيحة إلى أبعد الحدود، فهي لم تترك أي أثر يعتد به في الميدان، ولم تغير شيئاً في قواعد اللعبة الجارية، أو تبدل أي مدخل في معادلة الحرب القائمة، كما أن خسائرها الطفيفة للغاية، سواء أكانت في الأرواح أو في الممتلكات، تبرّر الشكوك حقاً في النوايا الغربية الكامنة، وتثير الأسئلة المشفوعة بالقلق حيال الأهداف الحقيقية التي صُممت في غرف العمليات، كي تأتي صغيرةً وسطحيةً، وقاصرة عن الوصول إلى نتائج مهمة، كسابقتها في مطار الشعيرات قبل عام مضى.
وبالفعل، لم يخسر الأسد أصولاً نوعية أو ممتلكات ذات قيمة ثمينة، غير قابلة للتعويض في المستقبل القريب، ولم يتكبّد هزيمةً ثقيلةً مريرة، تملي عليه إعادة الحسابات بدقة مرة أخرى، وتردعه عن مواصلة أفعاله الموصوفة كجرائم حرب، كما ليس من المؤكد أيضاً أن هذه 
“روسيا المصابة في صميم دورها الإقليمي لم تعد بعد اليوم في الموضع الذي كانت عليه”

الضربة قد ضمنت أضعاف قدراته على معاودة استخدام الأسلحة الكيميائية في وقت لاحق، وتجاوز ما يعتبره الغرب خطاً أحمر من جديد، طالما أن العقاب هيّن ليّن، كهذا الذي جرى بعد طول أخذ ورد، وبشق الأنفس، بين واشنطن ولندن وباريس. وفوق ذلك لم تكن عواقب الفعل الكيميائي وخيمة، بحسب ما هددت به على رؤوس الأشهاد، وتوعدت بإنزاله، مرجعيات الدولة العظمى الوحيدة.
غير أن هذه الحصيلة الأولية، المواتية كلياً لأشرعة سفينة الأسد الممزقة، بما انطوت عليه من مكاسب سياسية ومعنوية قصيرة الأمد، لا تشكل إلا جزءا من الصورة الأشمل، المتكونة في خضم تلك الضربة المشتركة بين أهم ثلاث دول غربية وأقواها، بدت في عهد دونالد ترامب أكثر تصميماً من ذي قبل، في الدخول بقوة على خط الكارثة السورية، واسترداد بعض ما فقدته من أوراق اللعبة التي تم تجييرها بالكامل لصالح روسيا، في زمن إدارة باراك أوباما، الزاهدة في الدفاع عن صورة الدولة القائدة للنظام العالمي، المستخذية قبالة اندفاعة فلاديمير بوتين، والمجاملة لرغبته الجامحة في الصعود ببلاده إلى مرتبة الدولة العظمى الثانية.
على هذه الخلفية، يمكن قراءة مغزى الضربة الثلاثية التي كان رجع دويّها في موسكو أشد هولاً من صدى صوتها في دمشق، وكانت مضاعفاتها لدى الكرملين أوسع بكثير من تداعياتها داخل قصر الشعب في أطراف جبل قاسيون، لا سيما وأن الضربة المنسقة جيداً بين العواصم الغربية الثلاث انطوت على تحدٍ محسوبٍ بدقة، ليس لنظام الأسد المتهالك، وإنما لغطرسة بوتين ونزعته الإمبراطورية، وشكلت، في حد ذاتها، خرقاً لحائط الصد الروسي الذي بدا منيعاً للغاية، إن لم نقل اجتيازاً مباشراً لحاجز التحسّب والتردد الذي استبد بالغرب سبع سنوات من الوقت، وجعل منه لاعباً ثانوياً، قليل الحيلة، على الجغرافيا السورية.
وفيما راحت ماكينة إعلام الأسد تتحدث بزهو عن عدوان ثلاثي فاشل، وتستحضر صورة العدوان الثلاثي ضد جمال عبد الناصر عام 1956، وتستلهم مجد صموده آنذاك، راحت الدعاية الروسية تستعيد إلى الأذهان، من ماضٍ لم يمضِ تماماً، ذكريات المواجهات الخائبة مع الغرب، وتجترّ آلام سقوط الاتحاد السوفياتي السابق بحسرةٍ شديدة، وتتهم الغرب المتآمر بالسعي، من دون هوادة، لتحجيم مكانة ثاني أكبر قوة نووية، ومحاصرتها أطلسياً، وتفشيل دورها العالمي دولةً لها حق الفيتو (النقض) في مجلس الأمن الدولي، وحدث ولا حرج عن فرض العقوبات الاقتصادية.
في مقابل ما تملّك أرباب نظام الأسد من مشاعر بالاستحقاق، وحسّ بالجدارة المفاجئة، وما ساد لديهم من استخفافٍ شديدٍ بضربةٍ عسكرية بدت طائشة، أدرك الدبلوماسيون والإعلاميون الروس، في قرارة أنفسهم، ما لحق ببلادهم من إهانة قاسية جرّاء هذه الضربة التي سبق لهم أن حذروا، مراراً وتكراراً، من عواقبها الوخيمة. ومن غير مكابرة، استوعب الجنرالات المتقاعدون الروس، على الفور، حقيقة أنها كانت ضربة موجهة إليهم في المقام الأول، وأنها مرت تحت أنوف قواتهم “الجوية الفضائية”، بل وأمام عيونهم المفتوحة، فجرحت الكبرياء الروسي بفظاظة، وأصابت القيصر ذاته، وهو الذي كان قد خاض لتوه انتخاباتٍ رئاسيةً ضاريةً ضد نفسه، واعداً باستعادة الأمجاد السوفياتية الماضية.
ومع أن إسرائيل سبق لها أن اخترقت نظام الدفاع الجوي الروسي عشرات المرات، وضربت جهاراً نهاراً مواقع سورية وإيرانية حصينة بلا عدد، إلا أن موسكو لم تشعر بالحرج، ولم

“راحت ماكينة إعلام الأسد تتحدث بزهو عن عدوان ثلاثي فاشل”

 يتملكها الانزعاج ذات غارة، حتى أنها كانت تبرّر تسامحها مع الذئاب الإسرائيلية قائلة إنها معنية بالحرب ضد “الإرهابيين” لا الدفاع عن الأسد، فيما بدت في أعقاب الضربة الغربية هذه بالغة التحسّس، شديدة الارتباك، عميقة الإدراك أنها هي المستهدفة هذه المرة، ليس في نطاق الدور السياسي المهيمن على مقاليد الحالة السورية فقط، وإنما أيضاً في إطار كفاءة منظومة الدفاعات الجوية، وتقنيات الصواريخ المضادة التي لم يسبق لها أن وضعت موضع الاختبار الميداني، ولو مرة واحدة.
وقد يمر وقت قصير، في أعقاب هذه الضربة التي أحسب أنها قد زلزلت ثقة الروس بأنفسهم من دون ريب، حتى يطرح بعضهم السؤال؛ “ماذا نفعل في سورية بحق السماء؟”، إذا كان مقدراً لمثل هذ الضربة الخفيفة، بالمعيار العسكري المجرد، أن توقف صعود موسكو الدولي، ولو على نحو تدريجي بطيء، وأن تطيح معظم ما تم إنجازه من مكتسبات ميدانية ، وهي مكتسباتٌ لم تتحول إلى إنجازاتٍ سياسية بعد، بما في ذلك مسار أستانة ومؤتمر سوتشي، ومناطق خفض التصعيد، والحلف الثلاثي مع تركيا وإيران، وغير ذلك من جهودٍ بدت فيها الدبلوماسية الروسية، حتى أمس القريب، تمتطي ظهر حصانٍ لا يشقّ له غبار.
وعليه، يمكن الاستنتاج، من دون تعسف في القراءة، ومن غير تعجّل في استشراف الممكنات التي حفلت بها هذه الضربة غير الموجعة لنظام الأسد، أن روسيا المصابة في صميم دورها الإقليمي لم تعد بعد اليوم في ذلك الموضع الذي كانت عليه من قبل، حين تمكّنت، في غفلة من الغرب، من امتلاك كامل أوراق اللعبة السورية من دون منازع تقريباً، وأقفلت مجلس الأمن الدولي ب 18 فيتو، وصارت ربة البيت وصاحبة الحل والعقد، الأمر الذي يستقيم معه القول إن هذه الضربة المليئة بالمفارقات الفارقة، والتي قد لا تكون الأخيرة بالضرورة، قد عزّزت وضع الأسد من جهة أولى، ولو بصورة مؤقتة، وقوّضت، في الوقت نفسه، مكانة بوتين، إلى أجل غير معلوم، من جهة مقابلة.