مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

شيماء أحمد زكي (مصر)

التغيير الخطوة التي قد تشعرك بالندم على اتخاذها الآن، لكنك لن تتردد فى أن تعاود الكرة، آملا ألا تشعرك بندم جديد. التغيير الخطوة المرتدة للخلف، والتي يصاحبها خطوة أخرى تمتد للأمام. التغيير الخوف من ضياع ما قد أصبحنا عليه

دوام الحال من المحال، تلك هى الفطرة الأساسية التى نشأنا وتربينا عليها، حتى أصبحت لنا أسلوب حياة، بل ونمطا لم نعرف لحياتنا سواه، فما نحن عليه اليوم يختلف تماما عما سنكونه غدا، أو سنكونه بعد غد أو سنكونه بعد مقتبل لا نهائى من السنين.
ولعل تلك الفطرة ترتكز على ما علمتنا إياه سنة الحياة فى التغيير، تلك الكلمة التي لا يسيرها مبدأ بعينه، ولا يسبق حدوثها أي ترتيب، إذ فطرنا على التغيير، فالزمن يحمل في طياته التغيير، فما ندركه اليوم يتوارى مع شمس المغيب، ونحيا على حطامه يوم جديد بما يحمله لنا من شغف وغيب لا نعلم فيه ما قد يجيء، والأماكن تحكي أركانها دوما ما قد أحدثه التغيير، وما قد أخذه من ملامح ساكينها، أو روائح قاطنيها أو الذكرى المسطرة للعابرين يوما عليها.
وإن وجب الحديث عن التغيير ولو بشيء مبسط من التفصيل، فلنلق نظرة على الطبيعة بما نعيشه فيها من فصول، وما نراه فيها من أشعة وغيوم، وما نراه من مشاق في صباحها وتنسينا السكينة والراحة إياه فى ليلنا، ما يحمله لنا الصيف من انطلاق، حيث لا حدود للخيال المنبثق من الشمس والمتداخل مع الموج والمترامي كالنجوم البراقة على الصخر، حاملة إيانا إلى أبعد ما يكون لعلنا نصبح أقرب لما نريده أن يكون، حتى فيما قد يحمله لنا الخريف من النسائم الباردة والعبق اللطيف الممتزج بشعور طفيف يتمايل فى ثناياه ما نحمله داخلنا من حزن دفين، حينما نشاهد الأوراق وهي تتساقط حولنا فى أنين، معلنة أنه لا دوام ولا بقاء إلا لرب هذا الكون العظيم.
أما عن الشتاء، وما يحمله لنا من أطياف الذكريات، والتي لا تتدفق إلى أذهاننا المتكئة على أكتافنا المثناة، إلا ويصاحبها الدفء الذي يتغلغل في أجسادنا المحاطة بكل الأغطية من كل اتجاه، مذكرة إيانا بما قد مررنا به، وما تخلينا عنه، وما قدر لنا أن نتعايش معه، على الرغم من كل ما قد ينتابنا تجاهه من خوف يملأه الانتظار والترقب لما ستؤول إليه الأحوال، ففي يوم ممطر نتذكر ما قد أزحناه عن كاهلنا من أعباء مضت، لنستقبل مع انكشاف الغيمة أعباء جديدة، لا ندري إذا ما كانت لدينا القدرة على اجتيازها كما كنا فى سابق الزمان، حتى يأتي الربيع برياحه، ملقيا ألوانه على كل البساتين، مبشرا إيانا بفيض من المرح وطائل من التجديد، وفاتحا أمام أعيننا الأبواب لبداية عهد من التساؤلات والتفكير، عما هو مخبأ لنا فى بداية لا نعلم عنها الكثير، وإنما علينا أن نحياها بكل ما تحمله لنا فيها من تفاصيل. وهكذا اعتدنا التغيير في كل ما حولنا من مفاهيم، فلا دوام لكلمة الآن، ولا دوام ليوم على حال، ولا دوام لموسم أي كان، ولا دوام لشمس مشرقة، ولا دوام لقمر منير، ولا دوام لغيمة مثقلة، ولا دوام لمطر غزير، ولا دوام لسعادة مطلقة، ولا دوام لحزن مفرط، فأصبح كل ما نعرفه عن التغيير بأنه لا دوام الحال بكل الأحوال.
لكن ما يتركه التغيير في داخلنا يجعلنا ندرك أنه أكبر من مجرد كلمة قد تمر علينا كعابر سبيل، فما أعجب هذه الكلمة التي تحمل داخلها كل المشاعر والأحاسيس، ممتزجة جميعها في عبير واحد، يجتاحنا من دون إرادة منا أو من دون إشعار مسبق منه، فالتغيير هو الشعور الكامن وراء الخوف مما هو آت، وهو الحلم الذي يراودنا فى الآفاق، ويداعبنا الشغف فى الوصول إليه.
التغيير هو الخطوة التي قد تشعرك بالندم على اتخاذها الآن، لكنك لن تتردد فى أن تعاود الكرة، آملا ألا تشعرك بندم جديد. التغيير هو الخطوة المرتدة للخلف، والتي يصاحبها خطوة أخرى تمتد للأمام. التغيير هو الخوف من ضياع ما قد أصبحنا عليه والمصحوب بشغف فى محاولة الوصول إلى ما هو أفضل مما نحن عليه. التغيير هو الصراع داخلنا بين التردد والفضول، بين الآن وغدا، بين إبقاء الحال على ما هو عليه والطموح لحال أفضل ومكانة أرفع، بين الندم خوفا من الخسارة والرغبة فى المجازفة والتعايش مع تقبل كلا من المكسب والخسارة. هكذا هو التغيير، كل المشاعر ونقيضها مختلطان ومتوحدان فى طابع واحد، نحبه ونمقته فى آن واحد، قد لا نرغب فيه لكننا نسعى دوما إليه، تداخل يصعب تفسيره، وربما هذا هو السر الكامن وراء المفاضلة الحادثة دوما بداخلنا بين رغبتنا وانعدام رغبتنا فى التغيير.

إعجاب تحميل...