556eb0c4-ac91-42db-b6ac-5a5c934edb78.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

محمد أبو الغيط

تصعيد التوترات العبثية، وفي ظل عدم وجود مشروع جامع، يؤدي إلى الإغراق في السباب والتخوين والمزايدة، وهو ما يؤدي، على المدى الطويل، إلى الأسوأ، حيث ينتفي هدف “البقاء السياسي”، يتم تدمير المجموعات والتنظيمات، وكذلك تفكيك جانب من الروابط الشخصية المباشرة.

يا للكارثة، فريد الديب محامي حسني مبارك يترافع عن المستشار هشام جنينة؟ كم كنا مخدوعين به، لقد باع القضية لكن لا بأس، هذا أفضل أن ينكشف مبكّراً كي لا يتسبب في.. في ماذا؟ ينسى هؤلاء الغاضبون أنهم مهزومون بالفعل. ما زلت أُفاجَأ، بشكل شخصي، حين أجد من يتحدث كأننا ما زلنا في مارس/ آذار 2011، لحظة تجمّدٍ زمنية كاملة.
في السياسة، بل في الحياة كلها، يُفترض أن يتعامل الإنسان بمعايير اللحظة، فخيارات الجيش الأقوى ليست كالأضعف، والدول الأغنى ليست كالأفقر. وبالتأكيد لحظة انتصار الثورة أو لحظة محاولة فتح مساحة الفعل السياسي ليست مثل لحظة الهزيمة.
في لحظة الهزيمة السياسية والشخصية، تتحول الأولوية إلى محاولة تقليل الخسائر والحفاظ على القوة المتاحة، إلى حين ورود فرصةٍ أخرى لمحاولة جادة جديدة. هذا هو فن إدارة الهزيمة. الأولوية للبقاء بمعناه الفردي ألا يُقتل أو يُسجن المزيد، والبقاء بمعناه السياسي: أن يبقى الأفراد محافظين على ولائهم لأفكارهم، وأن يبقى كل ما يمكن من هياكل تنظيمية حتى لو لن تمارس أي عمل عام.
ومن هذا المنطلق، كانت محاولة أسرة جنينة قبول عرض فريد الديب بالتطوع للدفاع عن جنينة، وبالتأكيد شمل التفكير مغزى الرسالة السياسية للنظام، علّه يفرج عن الرجل، والحقيقة أني لا أفهم من سيستفيد لو مارس جنينة أفعالاً تطهرية، تودي به للسجن المؤبد أو الموت في السجن. بل إن جانباً آخر من إدارة الهزيمة، وهو الاستثمار طويل المدى، كانخراط أفراد في دراسات أكاديمية أو أعمال اقتصادية فردية بحتة، لكن في الخلفية يعرفون أنه سيُستفاد منها سياسياً يوماً ما. ومن هذه الزاوية، الأفضل سياسياً أن يكون جنينة خارج السجن، لا داخله.
جانب آخر هو إغفال العوامل الذاتية، وتخيل تصورات مثالية، ثم البناء عليها. ربما لو كان أحد شباب الثورة مكانه بالفعل، لرفض دخول الديب قاعة المحكمة، لكن هذا هو هشام جنينة، ضابط الشرطة في جهاز أمن الدولة سابقاً، والقاضي سابقاً، ورئيس أحد أهم الأجهزة الرقابية في عهد عبد الفتاح السيسي. هذه هي تركيبته، وهذه كانت ميزته العُظمى لنا: كونه محاولة إصلاح من داخل الدولة ما يزيد فاعليته وفُرصه، فلماذا يقرّر بعضهم فجأةً أن يضعه على مقاييس مختلفة؟ وربما عانت حملة الفريق سامي عنان الانتخابية نفسها من هذا التشوش، وكان من أسباب سرعة انهيارها: اتخذوا خطاباً تصعيدياً يرضي “الثوار” أكثر مما اهتموا بمخاطبة شريحتهم الأصلية. ومن يعبأ بقصص المرحلة الانتقالية اليوم إلا شريحة محدودة جداً؟
عامل ذاتي آخر يتم إغفاله، وهو الظروف الفردية لكل حالة. بجانب خلفيته السياسية، جنينة هو ذلك المُسن الذي تعرّض لاعتداء جسدي بالغ العنف، وهو مصابٌ بكسر في محجر العين، يهدد بسقوطها من مكانها، ويحتاج عملية عاجلة مُنع عنها. وتسبب هذه الإصابة آلاماً حادّة مزمنة، وهو في الحبس الانفرادي منذ شهرين، وهو فوق ذلك كله يعاني صدمةً كونه انتقل من موقع قريب من رأس الدولة إلى عدوٍ للدولة، أصبح سجيناً يُحاكَم بعدما كان يحاكِم.
زاوية أخرى خارقة الأهمية، وهي احترام اختلاف الطرق والمساعي. في لحظة كهذه، حيث لا أحد يملك إجابة مؤكدة، وحيث لا يوجد مشروع سياسي جماعي، يمكن القول إن فعل كذا أو قول كذا يؤثر عليه جدياً، فلا لحظة أنسب وأسهل من احترام الاختلاف. في مواقف كثيرة، كان يمكن ببساطة استخدام عبارة “لو كنت مكانه ما فعلت، لكني أتفهم أسبابه”.
الإشكالية هنا أن تصعيد التوترات العبثية، وفي ظل عدم وجود مشروع جامع، يؤدي إلى الإغراق في موجات من السباب والتخوين والمزايدة، وهو ما يؤدي، على المدى الطويل، إلى الأسوأ، حيث ينتفي هدف “البقاء السياسي”، يتم تدمير المجموعات والتنظيمات، وكذلك تفكيك جانب من الروابط الشخصية المباشرة.
إذا كانت الظروف الداخلية والخارجية الحالية غير مواتية، فلنُدر هزيمتنا بحكمةٍ، فلنحاول جعلها أقل وطأةً، وهذا بحد ذاته ما قد يرفع احتمالية النجاح في لحظةٍ تاريخيةٍ مناسبة أخرى.

إعجاب تحميل...