حدد علماء الأنثروبولوجيا الحضارة في تعاريف عدة، فقال Raiph Piddington: «إن حضارة أي شعب ما هي إلا حزمة أدوات فكرية ومادية تمكن هذا الشعب من قضاء حاجاته الاجتماعية والحيوية بإشباع وتمكنه كذلك من أن يتكيف في بيئته بشكل مناسب». كما عرف Edward Tylor الحضارة بأنها: «الكل المركب الذي يجمع بداخله جميع المعتقدات، والقيم، والتقاليد، والقوانين، والمعلومات، والفنون ، وأي عادات، أو سلوكات، أو إمكانات، يمكن أن يحصل عليها فرد ما في مجتمع ما». وبالإمكان تعريف الحضارة في نهاية المطاف على أنها الإرث المادي والمعنوي للبشرية من الماضي، والذي اعتمد عليه الإنسان لإكمال مسيرة حياته وتقدمه الحالي. وعليها كمحددات راكمت البشرية سجلات ضخمة من الإنجازات التي يقف عندها الواحد مذهولا ومنبهرًا ما عليه إلا التصفيق.

لقد قطعت البشرية، لنقل من عصر الأنوار، أشواطا بارزة في سبيل بناء «الحضارة» وإثبات الوجود وتسيد الزمان والمكان ويبدو أنها نجحت بالفعل في الجانب العمراني والتقني وأرست قواعدها بإبهار مدهش وخطفت الأبصار وغاص الإنسان في تفاصيلها.

«إنه لمشهد جليل جميل أن نرى الإنسان يبدد بنور العقل كل السحب الكثيفة، ويحلق بالفكر إلى الفضاء» أو هكذا تكلم روسو الفرنسي منبهرًا بما يمكن للعقل البشري أن يصنع وما يمكن للبشرية أن تقدم للعالم والكون. وانبهر العالم واعتقد أنه نجى من الانقراض والإبادة واحتفل ورقص فرحًا بإنجازات عقله، فها هو يسبر أغوار المحيطات ويسافر لأبعد المجرات وهو الذي كان يقطع مسافة لندن إلى برلين في شهور. وبدا أن البشرية تعيش أزهى مراحلها وكان العقل البطل المتوج وصاحب الإنجاز التاريخي لسعادة البشرية واندفعت الأمم تقتلع كل ما يتنافى مع كرامة الإنسان وحق الإنسان ووجود الإنسان.

لكن، أرجع البصر مجددًا ترى الوجه الآخر. فالعقل «المقهور» لم يذهب بالإنسان إلى السعادة، وإنما استجره إلى الويل والظلام. وركبت الإنسانية قطار السقوط والانحذار وبدا أن نظرية ابن خلدون وشبنغلر وفيغو ورؤيتهم وتنبؤاتهم للحضارات والتاريخ صحيحة ومتحققة. وأصبح الفرح والزهو بالإنجازات خوف وترقب من أن يختفي كل شيء من الوجود وألا يبقى سوى أحجار وآثار مطمورة تحت الأرض يبنى عليها شيء آخر.

بصمت بشرية القرن الـ21 صفحات التاريخ بأسوأ الأحداث وأكثرها رعبا ودموية. فباسم التحضر والرقي أبادت الأمم ملايين البشر (الحرب العالمية الأولى أكثر من 17 مليون نسمة، الحرب العالمية الثانية ما بين 50 و85 مليون شخص حسب الإحصاءات الرسمية).

واستمرت ماكينة الحرب تنهش جسم البشرية إلى يومنا هذا ومن حرب أفغانستان والخليج وغزو العراق إلى معارك الأوروبيين في أفريقيا، وبدا أن الإنسانية فقدت بوصلة الحضارة. ومن سؤال التقدم والرقي والازدهار إلى سؤال هل نحن من فصيلة البشر؟! والقصة طويلة وفصولها دامية ومعها تعددت مآسي البشرية وتنوعت فصول المعاناة واتضح أن الإنسانية تائهة وحضارتها عرجاء بامتياز برجوعها إلى زمن الأوبئة والمجاعات وقلة الغذاء ويتصدر المشهد اليمن السعيد وجنوب السودان المنكوب والصومال ونيجيريا الجرح النازف. حيث يعاني نحو 20 مليون إنسان من المجاعة والمرض وانعدام الغذاء والمأوى. واستفاق المجتمع الدولي بالأمس على أزمة اللاجئين إذ قالت الأمم المتحدة إنه للمرة الأولى على الإطلاق التي يصل فيها عدد اللاجئين لأكثر من 60 مليون شخص شردتهم أوضاع بلدانهم، بل لنقل أنهم مخلفات الحضارة. فعلى تخوم المدخل الشرقي لأوروبا وآخرون منتشرون على ضفاف شمال أفريقيا يتربصون بانتظار فرصة العبور إلى «الحضارة» المزعومة، أرض أوروبا.

واتضح أن الإنسانية ضعيفة مخدوعة بوهم التحضر والرقي. وسقطت مبادئ ومنظومة القيم الإنسانية عند أبسط الاختبارات ومات الإنسان الذي صنعته الحضارة العرجاء بمشاعره الإنسانية وهو يشاهد كل يوم بانتظام مشاهد القتل والترويع للعزل والضعفاء والأبرياء من العجزة والأطفال والنساء من مصر وسوريا والعراق إلى ميانمار حيت تواطأ العالم حتى النخاع في إبادة أكثر من 4 ملايين مسلم في إقليم أراكان.

ولم يكتشف العالم الحقيقة، كانت مبذولة، فالعقل لم يذهب بالإنسانية إلى المنشود، وإنما استجرها إلى القاع. التقدم الحضاري من صناعات وعلوم وفنون، لم يرافقه أبدًا أي محاولة موازية في تهذيب الأخلاق، وتأكد أن العلاقة بينهما عكسية ثماما. أصبحت الحضارة تمثل الشر والخراب أينما حطت رحالها بذرت آثامها وآلامها ولم يعد للتطور الصناعي، والتجاري، والزراعي قيمة على كوكب الأرض. وتبددت آمال البشرية في تشييد حضارة تليق بالأنسانية. وخسر الإنسان رهانه على العقل وبدا أن ما حصلت عليه البشرية في لم يكن سوى شعلة تبن أتتها الريح العاصفة، وأصبح لزامًا على البشرية أن تخوض السباق من جديد وتتحدى نفسها. فهل تنجح في هذا التحدي الجديد؟