تبدو إسرائيل الأقل استحماراً لنا، الأوضح في غاياتها، كأنها مستقلةٌ عن حليفها “العضوي” التاريخي، أميركا. حتى كلامها يبدو نشازاً، أمام دموع تماسيح الغرب على ضحايا السلاح الكيميائي في سورية.

كل شيء يدعو إلى القرف من تلك الهمْروجة الأميركية الغربية الأخيرة. و”مشاعر” ترامب التي حنّت على أطفال الغوطة الشرقية، ضحايا السلاح الكيميائي. بين العام الماضي، حين خفق قلبه من أجل أطفال خان شيخون، فعبَّر عن هذا الحنان بضربةٍ هزيلةٍ رفعت قهقهات المجرمين.. بين ذاك العام، واليوم، تعامل بشار الكيماوي سبعين مرة بالكيميائي ليقتل شعبه، لكن قلب ترامب خفق الآن. لماذا تجاهل السبعين ضربةً وصحا الآن؟ الأرجح حسابات داخلية، ومزيد من الفضائح القادمة. ولكن المهم بالنسبة لنا أن الضربة الكيميائية على أهالي الغوطة الشرقية أخيرا ليست هي الضربة الكيميائية الوحيدة، ولا سلاحها هو الأكثر رواجاً من بين أسلحة قتل السوريين وتدمير عمرانهم.
بالعكس. طوال سبع سنوات، وما نعلمه جميعاً، ويعلمه دهاقنة المعرفة الأميركيون، من براميل متفجرة وطائرات وصواريخ ومجازر واقتحامات وحواجز إلى ما هنالك من مظاهر حربٍ على السوريين.. والكفيل بإشعال أقسى القلوب؛ كل هذا لم يحرّك ساكناً لدى عاطفيي البيت الأبيض. الآن، بكيميائي الغوطة، احتشدوا وضربوا ضربة الأقزام الإستراتيجيين. ليست مهمةً ضربتهم. لم تدخلهم ولا أدخلتنا في “دورة جديدة” من الحرب في سورية. فقط قالوا بها “نحن هنا”، لا تنسوا أننا نملك الصواريخ الجديدة والجميلة والذكية. بعدما غابوا وناموا.. فوجدوا أن الروس صاروا على قاب قوسين أو أدنى من التفرّد الروسي بالأرض السورية.
التذرّع بضربة الكيميائي يدخل في باب كوميديا الاستحمار نفسها، فقد سمحت لأكبر كذّابي 
“تعامل بشار الكيماوي سبعين مرة بالكيميائي ليقتل شعبه، لكن قلب ترامب خفق الآن”

العصر، أي الروس، بأن يلعبوا بها، أي الذريعة، خير لعب: مندوبهم في الأمم المتحدة، فاسيلي نيبنزيا، استطاع أن يصف الذريعة بـ”المسرحية”. كان يمكن لترامب أن تكون حجته أقوى من ذلك، فيتذرّع بالمقتلة نفسها، المثبّتة بمئة إثبات، ليكتسب مصداقيةً. لكن لا، قلبه أعمى لا يرى درجات الألوان، ويريد أن نصدّقه على ذلك. أو أن يمرّره الروس، أرباب التلفيقات على أشكالها. ماذا فعل هؤلاء؟ لم يكتفوا بتلك الكلمة الخلاّبة “مسرحية”، إنما الذريعة مكّنتهم من إعلاء مسرحيةٍ أخرى، هي أقل غباء من الذريعة الأميركية، مع أنها لا تقلّ عنها استحماراً لنا. اقتبسوا من فيلم نجدت أنزور “رجال الثورة” مقاطع تجسّد معناهم لـ”المسرحية” تلك؛ حيث يصوّر المخرج مشهداً يفتعل فيه أصحاب الخوذات البيضاء ضربةً كيميائية كاذبة.. اقتبسوا هذا المشهد السينمائي ليروّجوه كأنه تغطية إخبارية مهنية، دليلا على افتراءات الغرب وكذبه بزعم ضرب الأسد شعبه بالكيميائي. وفي موقعة إعلامية أخرى، اتهم الروس البريطانيين بارتكاب جريمة الكيميائي في الغوطة، عن طريق “عملائهم”، الخوذات البيضاء..
استحماران: روسي وأميركي – غربي شغلانا طوال الأسبوعين الماضيين. اتصالات خلف الكواليس بين الأميركيين والروس، لا نعرف إن كانت ستبقى مضامينها سريةً إلى الأبد، أو أنها ستُكشف لنا يوماً.. بدَت على الأرض أنها سمحت بـ”تنسيق” الضربة والتهيئة من أجل تحويلها إلى صفر خسائر بشرية، وقليل منها لوجستية، والأقل منها إستراتيجية. فيما نحن لا يسَعنا إلا أن ندور حول أنفسنا في محاولةٍ لفهم ما يحصل لنا. لا يكفي أن مصائرنا تُرسم خارج سياقنا، على خرائط بعيدة وقريبة وتحديدات إلكترونية لا نفقه منها شيئا، سوى أسماء الصواريخ، وأصواتها الذكية؛ لا يكفي أننا كالنعاج نركن إلى زوايانا، ننتظر أن يأتي الذئب، أو الثعلب، ليبتلعنا.. بل إننا أيضا موضوع دسم للاستحمار، لذاك التلاعب بوقائعنا ومعطياتنا وعقولنا. وتلك العقول يئست إلى حدّ أنها سكنَت، فركَدت، حتى أصبحت بأمسّ الحاجة إلى استنهاض فطْنتها بوجه دَجل مبني على الاستحمار. خصوصاً أن قادة الممانعة هم شركاء مضاربون في مؤسسة الاستحمار هذه، في تلقّفهم الضربة الأميركية كأنها هدية من السماء. في المزايدة على الملفّقين الروس، في تسلمهم الكلمة السحرية إياها “مسرحية”، بالبلاغة والتورية.. هكذا، أنعشوا آلة “لصمود والتصدّي”، وارتفعت معنويات المقاومين للإمبريالية والصهيونية؛ فكانت عبارة “العدوان الثلاثي”، لوصف الغارات الثلاث النظاف.. محيلةً إلى العدوان الثلاثي التاريخي على مصر عام 1956، عزّ الحماسة العربية، وما تلاها من انتصار سياسي لعبد الناصر (لم يلحظوا أن الأميركيين هم الذين سمحوا وقتها لعبد الناصر بإحراز هذا الانتصار. هذا موضوع آخر..).. وبذلك أيضاً قلّدوا الروس الذين قارنوا بين “الضربة الأميركية المرتقبة” وأزمة الصواريخ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عام 1962، والتي كادت أن تشعل حرباً عالمية ثالثة. اكتسب بشار بذلك بعداً قومياً، لم يكن يحلم به، أو ربما حلِم. أو

“استحماران: روسي وأميركي – غربي شغلانا طوال الأسبوعين الماضيين”

أن الذكاء الشيطاني للروس أوحى لهم بتشجيع بشار على جريمة الغوطة الشرقية كي “يمتحنوا” الأميركيين وحلفاءهم الأوروبيين، ويقيسوا ردود فعلهم، قدر اكتراثهم بالمنطقة، كي يرسموا ربما خطة إطباقهم السياسي، بعد العسكري، على الجزء “المفيد” من سورية، فاطمأن بشار والإيرانيون من عداوة أميركيين متخبّطين، مستعدين للتسوية، أو للصفقة مع كل من يسبقهم إلى المبادرة في رقعة الشطرنج الإقليمية هذه، مقابل ضمان حصة، لا ندركها الآن؛ أو ربما من دون حصة. من يعلم؟ فالأميركيون سبق فضلهم عندما انسحبوا أمام هجوم الأتراك على عفرين ضد “قسد” الكردية حليفتهم، بل الحائزة إعجابهم.
أين إسرائيل من هذا كله؟ تبدو الأقل استحماراً لنا، الأوضح في غاياتها، كأنها مستقلةٌ عن حليفها “العضوي” التاريخي، أميركا. حتى كلامها يبدو نشازاً، أمام دموع تماسيح الغرب على ضحايا الكيميائي. إسرائيل تهدّد، بلا مواربةٍ، أنها لن تقبل بالإيرانيين أو مليشياتهم على “حدودها”؛ أي انها تحدّد “حصتها” في سورية، وتتشاور مع الروس وتتبادل معهم الرسائل التنسيقية – التحذيرية. وإذا تعرّضت، كما تقول، لأي هجوم إيراني من الأراضي السورية، فسوف تدفّع ثمنه لبشار ونظامه. وإسرائيل أيضاً، ومعها فلسطينيو غزة، يضعون الإيرانيين وجهاً لوجه أمام المنظومة الدعائية التي رعت سيطرتهم على المنطقة؛ من أنهم هنا بصواريخهم ومليشياتهم من أجل الفلسطينيين، من أجل فلسطين والقدس.. إلخ. والآن، ماذا يفعل الإيرانيون؟ هل لديهم من الوقت والطاقة ليهتموا بأحداث يوم الأرض التي سقط فيها عشرات من الشهداء والجرحى؟ هل يهتمون أصلاً؟ أين هم الإيرانيون الآن؟ إنهم في قلب دمشق، يدافعون عن عرش بشار، يهجِّرون، يقتلون السوريين بدل أن يحيوا الفلسطينيين، وهذه ليست أول مرة.. فاستحمار قادة الممانعة لنا باتَ مألوفاً، مكرّراً، يصعب أن تفوتَك إشاراته.