مرور نحو أربعة عقود على التصورات والمواقف والحروب التي اشتعلت في منطقة المغرب العربي، والأزمات التي استفحلت، يستحق القيام بجهود سياسية استثنائية، لوضع حدٍّ لقضية استنزفت شعوباً وخيرات، وعطلت إمكانية تطوير مؤسسات وهيئات، وراكمت أحقاداً ساهمت في تركيب أوهام كثيرة.

في الوقت الذي تضاعف فيه حجم تكالب القوى الدولية والإقليمية على عموم المشرق العربي، تناقلت وكالات الأنباء الدولية أخباراً تتعلق بانتشارغيوم كثيفة فوق سماء المغرب الكبير، حيث تحرّكت بعض قوات جبهة البوليساريو داخل ما تعرف بالمنطقة المحايدة، والموضوعة تحت إشراف البعثة الأممية المكلفة بمهمة احترام وقف إطلاق النار. وقد بدا واضحاً أن الغرض من التحرك الحاصل يتجه إلى نقل بعض منشآت “البوليساريو” من مخيمات تندوف إلى منطقتي تيفاريتي وبئر لحلو داخل المنطقة المذكورة.
وإذا كان هناك من يربط ما جرى ويجري منذ أشهر، وقبل حلول شهر إبريل/ نيسان الجاري، حيث تنتظر الأطراف المعنية بالصراع، صدور التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة، في موضوع مستجدات القضية وآفاقها، فإننا نرى في الفعل المذكور ما يؤشر على نوعٍ من التصعيد المرتبط بمظاهر العجز والانسداد الحاصلة في المحيط المغاربي، خصوصا أن موضوع الصحراء المغربية دخل منذ نحو ثلاثة عقود في دائرة السكون المغلقة.
وللتذكير السريع، ترتبط ما تعرف بمشكلة الصحراء المغربية أو الغربية بشروط سياسية إقليمية دولية تجاوزها الزمن، كما ترتبط بقادة ونخب لم يعد لهم وجود، وهي ترتبط قبل ذلك بحساباتٍ سياسيةٍ وأيديولوجيةٍ، كشف الزمن عقمها، فهل يعقل أن تواصل القيادات التي تأخذ بزمام الأمر السياسي اليوم في المغرب والجزائر العمل بمنطق قيادات ارتبطت حساباتها السياسية والاستراتيجية بسياقاتٍ وشروطٍ مختلفة عن سياقات الراهن وتحدياته؟
تشكل المأزق المذكور، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، في سياق ما تعرف بأزمنة 
“لم يعد هناك مجال اليوم للسجالات السياسية التي تُضمر أكثر مما تعلن”

الحرب الباردة. وقد حصلت بعد ذلك تطوراتٌ فاصلةٌ في المجال المتوسطي، وفي العلاقات الدولية على وجه العموم، حيث عاد المغرب إلى أقاليمه الجنوبية. وأصبحت الجزائر معنيةً بمصير مجموعة من سكان الصحراء من “البوليساريو”، المقيمين في مخيمات تندوف، والرافعين مطلب تقرير المصير في المنتظم الدولي.
إذا كانت الجزائر لا تدّعي أبداً أن لها مطالب ترابية محدّدة في الصحراء المغربية، فإن المغرب يدرج استعادته أقاليمه في الجنوب، في إطار مساعيه الرامية إلى استكمال تحرير أراضيه، إنه يربط المشكل بسياق الميراث الاستعماري، وأخطاء معارك التحرير وإكراهاتها المعلنة والمسكوت عنها. ولابد من التذكير هنا بأن مسألة الميراث الاستعماري لا تزال قائمة في المغرب، حيث ما تفتأ بعض ثغور شماله (سبتة ومليلية) تحتلها إسبانيا التي تواصل أيضاً احتلالها جزر كناري والجزر الجعفرية.. ونفترض أن هذا الاحتلال المتواصل يخص المغاربة، كما يخص أقطار اتحاد المغرب العربي، عندما يتحول الاتحاد فضاءً للتضامن والتعاون والتنمية.
مرور نحو أربعة عقود على التصورات والمواقف والحروب التي اشتعلت، والأزمات التي استفحلت، يستحق القيام بجهود سياسية استثنائية، لوضع حدٍّ لقضية استنزفت شعوباً وخيرات، وعطلت إمكانية تطوير مؤسسات وهيئات، وراكمت أحقاداً ساهمت في تركيب أوهام كثيرة.. وقد لا نجد حرجا في الحديث، في هذا السياق، عن ضرورة بلورة لغة جديدة في النظر إلى الموضوع، سواء في الجزائر أو في المغرب أو وسط النخب الحارسة سكان مخيمات تندوف.. ففي وقتٍ تجمدت إجراءات الاستفتاء، لعدم قدرة المعنيين بتدبيره على بناء توافقاتٍ في موضوع المساطر وآليات العمل، بادر المغرب مقترحاً صيغة الحكم الذاتي، إلا أنها لم تنل قبول الطرف الآخر ومن يقف وراءه.
ما يُبرز خطورة المناوشات التي حصلت، وردود الفعل التي أعلنت في موضوعها، وارتباطها 

“لا يمكن أن يجادل أحدٌ في المصير المشترك لشعبين تحكمهما شروط تاريخية واجتماعية متشابهة”

بجدليات الصراع القائمة في البلدين معاً، والتي تجد لها ردود فعلٍ في قلب المخيمات، يتمثل في مختلف صور الاحتقان الاجتماعي القائمة في البلدين، الأمر الذي يدفعنا إلى ضرورة البحث عن مخارج تسعف بتجنب المآزق والأزمات التي يفترض أن تساهم الأوضاع القائمة اليوم في البلدين في عمليات تأجيجها.
وإذا كانت التحولات السياسية التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة قد ساهمت في تبلور ملامح نقاش حر في موضوع الصحراء في الصحافة المغربية، فإننا نتصوّر، في السياق نفسه، أن تساهم الدبلوماسية الشعبية القائمة على تبادل الرأي بين مؤسسات المجتمع المدني في القطرين الجارين في تكسير رتابة لغة التجافي المستندة إلى أطروحات لم يعد لها أي مبرر، حيث لا يمكن أن يجادل أحدٌ في المصير المشترك لشعبين تحكمهما شروط تاريخية واجتماعية متشابهة، وتواجههما اليوم تحدياتٌ متماثلة. والمقصود هنا تحديات الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية، واستكمال بناء اتحاد المغرب الكبير.
لم يعد هناك مجال اليوم للسجالات السياسية التي تُضمر أكثر مما تعلن، فقد تطوّر العالم من حولنا، والنفق الحالي المظلم أمامنا، يمكن تكسيره بحوارٍ أكثر صرامةً مع الذات ومع الآخر، في موضوع الأزمة وفي راهنها.. فلا مفرّ اليوم من التوافق الذي يستند إلى معطيات الواقع الجديد، ولا يغفل مبدأ مراعاة المصالح المشتركة.