لم ينتحر أحمد خالد توفيق رغمًا عن ضحكاته الكئيبة

كما ادعت صحيفة لإثارة البلبلة. ولا يحتاج قراءه الشباب وتلاميذه من الكُتاب تصريح الروائية شيرين هنائي وتكذيبها للخبر، وتأكيدها على حرص أهله على صورته وسمعته ولن تقبل بأي مساس أو تشويه تسوقه هذه الأكاذيب.

كل شيء معكوس تمامًا؛ إن مثل هذه الأخبار تصب في قالب الشيئية اللا شخصية طابع واحد لا محايد.

صناعة الجماهير السلبية وتشكيلها على أهواء المطلوب والمفروض من أجل معايير سبق اتخاذها هو في حد ذاته همجية وجريمة في حق الإنسانية! كيف توجه الرأي العام لحقائق مضللة من أجل زيادة أعداد النقرات على موقع إلكتروني!

لا يخفي عليك بالغ حزن منظمي أي ندوة ثقافية حاولوا استضافة د.أحمد ويتم الاعتذار بسبب ظروفه الصحية في الشهور الماضية. وليس بغريب فكم غاب عن حفل توقيع امتلأ فيها معرض الكتاب عن آخره وتزاحم الحشود في صفوف من أجل رؤية ذلك العظيم النبيه الضحوك الذي يأخذنا إلى عالم ما وراء الطبيعة ويلخص لنا العبارات الميتافيزقية والأساطير الغرائبية والعوالم الرقمية والإنترنت والفوبيات على اختلافها بشكل قصصي هزلي، والمشاكل الاجتماعية الجادة والسياسية في إطار إنساني بحت بغض النظر عن أي انتماء. فهو رجل لا منتمي، يتبع صوت قلبه ويقهقه عقله خلف السطور بكل ما في الكون من كوميديا سوداء.

كل مهتم بكتابات هذا الرجل الانضباطي بقضايا الإنسان في العالم وسمع من بعيد أو قريب يعلم مدى تدهور صحته، وتعرضه للأزمات القلبية.

اعتدنا منه السخرية من الهم، والضحك على الرثاء وقلب العواطف رأسًا على عقب. فيخبرنا مرة أن جنازته ستكون مؤثرة وجميلة وسيحضرها مؤكدًا لكنه لن يراها!

لا شيء عصي على الموت إلا نقاء روح وأبجدية إنسانية

على الرغم من انتقاله لدار غير ذي الدار، إلا أن الموت لا يأخذ أي من ينادي بالانسانية وخبز الفقير ودمع الحزين وبراءة الطفولة الضائعة في شباك التلاعب والاحتيال ويندد بالكيان الصهيوني ضاربًا بأيما شكليات عرض الحائط.

وكذلك من يؤمنون باتساع العالم وحتمية اتباع المنطق والصدق  وتحمل تبعاته حتى آخر لحظة..

كنت اقرأ مقالًا لبلال فضل في رثائه، يقول فيها إن الدكتور كان يرتبط اسمه كثيرًا بسيرة الموت!

لم تطاوعني نفسي على مواصلة القراءة؛ فحتى الفينة لا أصدق أن العراب أستاذنا رحل. لا يمكن ذلك، كما أن يُقال لك في منتصف الدرس، بينما ترتدي مريلة تيل نادية: (انتهى الدرس لموا الكراريس)، وتهتز الجديلتان يمينًا ويسارًا مع إيماءات رأسك أن (كلا) وعيناك مغرورقتان بالدموع.

وأنت يا صغيرتي لم تتجاوزي بعد تعلم إعراب الكلمات، وما أدراك ما صعوبة الإعراب! كيف أصرفها الآن؟ تحت أي بند وعنوان يغيب كما غاب رفعت إسماعيل!

ربما لأنني من أتباع رضوى عاشور، عنيدة، اتشبث في قشة الغريق، أضع صمامات في أذني فلا أسمع خبرًا يمزق أوراق قلبي وحبر تفكيري النقدي. أنتظر حتى ينهدم الصرح ركامًا ركامًا، حتى أرفع راية الاستسلام البيضاء، وعندها أضم جناحي وأضع راحتي على صدري وأتمتم بدعاء ذي النون، ثم أنفض ذرات الغبار المتطاير على ردائي الوردي، وأعود أبني سورًا من الألوان أتخفى خلفه وأكتب رواية تراجيدية ينبهر بها كل قارئ رشيد، بينما أراقب الطيور واسترق السمع للعصافير، فهي لا تؤلم، ولا تموت، أجدها كل صباح، مهما قطعت مسافات وأميال في جو السحاب تعود على شرفتي قبل بزوغ الفجر وحين الغروب. نعم.. تكفكف ألمًا فينا وتداوينا!

حتى الغربان لم تختر سوادها، فتذكرنا بأن الحياة فرح وحداد.. حب ونواح.. صبر وجزاء.

اللحظة الاخيرة ليست بأخيرة لأنها أول لحظة في دقيقة جديدة من رحمها حكاية وليدة

فالأستاذ ترك خلفه تراث دسم يفيض كافة التلاميذ الصغار والكبار ولا يغيض وأن مدرسته الأدبية تتوازى مع جوزيه سارماغو، تربط الواقع والخيال والفانتازيا.

فيخلط الجد بالدعابة والوجودية بالسيريالية والخيال بالواقع ولا يتركك تجن بل يربط الخيوط ويلملم الكلمات ويتقن اتساقها ويكرر العبارات على النهج الدراماتيكي فيعدك ذهنيا ونفسيا لاستقبال ما هو آتٍ به بكل حماسة بكل قدرة حروف الأبجدية لاستيعابها، فتضمها بين همزاتها وباءاتها، وتحملها إليك على أريكتك الدافئة ليتذوقها لسانك ويتشبع بها حسك الأدبي.

كتابات أحمد خالد توفيق لا تخلو من نكهته الخاصة وحسه الفكاهي يمكنك أن تختبر دقة وصفي بالاطلاع على الهول وهي مجموعة قصصية وأيضًا زغازيغ، ولست وحدك وشاي بالنعناع ودماغي كدة وكذلك ضحكات كئيبة ووساوس وهلاوس وهي باقة من المقالات النقدية ذات طابع اجتماعي مبسط تدخل القلب ولا تخرج منه.

إن أعماله تنطبق ببراعة على وصف جوزيه ساراماغو (صاحب رواية العمى والكهف وقصة الجزيرة المجهولة) فهي تتعرض لإمكانية حدوث ما هو مستحيل بطبيعته، وكأنه يعقد اتفاقًا ضمنيًا معنا مفاده (أن ما يهمنا بحق هو التطور المنطقي للفكرة، حتى وإن كانت الفكرة ذاتها منافية للعقل، فالفكرة هي نقطة الانطلاق التي يلزمها عرض منطقي وواقعي).

ولقد عقدت هذا الاتفاق المتبادل مع العراب مذ كنت بالحادية عشر من العمر حتى شد عودي وسرت على نهجه في كتاباتي. فيتحقق جليًا في كتابيه (www) و(esp).

حقيقة أنت لا تصدق حرفًا مما يقول، ولا أن الشبح اخترق حاسوب صاحبنا بطل قصته، وأن حبيبته الشبحية قاتلة متسللة تحاول الاستيلاء على جسده لتحيا! لا تصدق ذلك طبعًا، لكنك تلتهم الكتاب لآخره لتكتشف المغزى وتفتح معه سريعًا صندوق الحكايات الخفية والاسرار السحرية والقصاصات  الدامية، وقد سيطر عليك بأسلوبه الشيق فاقتنيت نسختيه وتجرعتها دفعة واحدة وحفظتهما عن ظهر قلب، تفك رموزه وتماثلها بما يحيط بها جغرافيًا وتاريخيًا.

حين تبحر وتتوغل مع العراب لن تلقي بالًا لمفاهيم الزمكان العادية، ستتقبل شروطه وأفكاره وعالمه الخاص حيث الموازيين مخلوطة جدًا، لكنها دقيقة إذا اتسع أفقك وبدأت تفهم ما يجول في خاطره من تلميحات يقدمها خلف السطور وتلك المسميات المبهمة.

أروع عباراته في حواره مع الكاتب عمر طاهر

(أنا سعيد أن وسواسي القهري وجد إعجابًا وقبولًا).

إذا تأملنا جيدًا يتبين أن الكتابة المجردة ما هي إلا وسوسة وهمهمات بين خلايا العقل المجاورة لبعضها، إشارات كهربائية تصر أن تربكك وتهيمن على كل حواسك فتستفيق من مضجعك إلى أقرب ورقة، كجني الشعر الطيب هنالك للنثر فأر الدماغ اللعوب لا يهدأ ولا يسكن، إلا وقد أتممت مقالًا أو قصة طالت أو قصرت، إن الكتابة كالحب، لا يمكن إرغامها. على الكلمات أن تتشكل من تلقاء نفسها أي تأتيك جريئة راضية لا طائعة مترددة.

لم يحب  المشاركة في المسابقات والتقييم

ولم يسعَ أجل الشهرة وحين سأله عمر طاهر ما حجم سعادته بهذه الجماهيرية والعالمية، قال: أعاني الشيروفوبيا! دعني اخبرك على الهامش: إن الشيروفوبيا هي خوف السعادة، فهو كان قلقًا بشأن ما بعد الشهرة. فكما تعلم لكل غصن عالٍ موسم تتساقط أوراقه.

من مسيرته نرى جليًا ألا ضير وبأس حين تكافح وحدك، حين يُصد في وجهك أول باب تطرقه، فلما قدم الأستاذ أول إبداعاته – رواية – لمسابقة أدبية تم رفضها وانتقادها نقدًا لاذعًا مريرًا، حتى قرأها الأستاذ حمدي مصطفي وآمن بموهبته ودبر له لقاء مع لجنة اهتمت بالأدب الشبابي والحداثة. ومن هنا بدأت سلاسل أدب الرعب الرائعة فمثلًا ما وراء الطبيعة بدأ إصدارها في عام ١٩٩٢ حتى ٢٠١٤.

وقال توفيق عن ذلك:

 (لن أنسى لدكتور نبيل فاروق أنه كان سببًا مباشرًا في دخولي المؤسسة، وإلا فإنني كنت سأتوقف عن الكتابة بعد عام على الأكثر).

في كتابه سافاري أغنية حقيقية لقبائل البوشمن تتساءل:

(بعد ما يفنى النسيم، ترى من سيخبر الأبدية أننا مشينا هاهنا مرة في فجر الزمان؟).

الإجابة: حروفك خلدت ذكراك. والوردة لا بأس أن ذبلت إذا غاب النسيم الآن، ستصمد جذورها يومين فالربيع على الأبواب، ستفاجئك أن تنمو براعمها جميلة حتى تحتار من أين تسقيها!