الضربة الثلاثية الأمريكية البريطانية الفرنسية لمواقع فى سوريا ارتبطت تحديدا بالملف الكيميائى (مثل معهد البحوث العلمية قرب دمشق الذى يشارك فى تطوير الأسلحة الكيميائية، منشأ خزين السلاح الكيميائى غرب حمص ومخزن لتخزين المعدات الكيميائية وأحد مراكز القيادة).

كل ذلك بالطبع، حسب تعريف وزارة الدفاع الأمريكية. جاءت الضربة هذه المرة من حيث قوتها أكبر بكثير من تلك التى قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية فى ٦ إبريل من العام الماضى ضد مطار الشعيرات بعد اتهام السلطات السورية حينذاك باستعمال السلاح الكيميائى.

رأى كثير من المراقبين أن تصريحات الرئيس الأمريكى عشية العملية العسكرية والتى رفع فيها السقف عاليا فى تحذيراته وفى تهديداته قد تؤدى إلى ضربة أكثر كثافة من حيث النيران وأطول زمانا وأوسع جغرافية. وقد تؤدى إلى حرب مفتوحة واسعة فى نهاية الأمر. لكن ترامب عاد إلى اعتماد سياسته التى تقوم على عنوان قوامه احترام الخطوط الحمراء وعدم اللجوء إلى السلاح الكيميائى تحت طائلة الردع العسكرى.

اعتبر ترامب أن سياسة سلفه أوباما قد أساءت إلى مصداقيتها كثيرا عندما هدد فى نهاية شهر أغسطس ٢٠١٣ باللجوء إلى ردع عقابى لسوريا بعد اتهامها باستعمال الكيميائى، ثم تراجع عن تهديده فى اللحظة الأخيرة.
وفى حقيقة الأمر، كان مرد التراجع بشكل خاص، رغبة الرئيس أوباما فى عدم تعريض المفاوضات النووية السرية الأمريكية الإيرانية التى كانت قد بدأت فى شهر مارس لخطر التوقف أو الفشل. ترامب جاء برده الأول على سياسة سلفه حين قامت الولايات المتحدة، كما أشرنا، بضربة عسكرية ضد مطار الشعيرات العام الماضى.

***

الموقف الفرنسى بشكل خاص، ومعه البريطانى، اشترط الموافقة على المشاركة تحت عنوان منع اللجوء إلى الكيميائى وتدمير القدرات الكيميائية للسلطات السورية، بشكل آخر، ضرورة فرض احترام الخطوط الحمر بشأن السلاح الكيميائى دون شىء آخر خارج هذا الموضوع.

تركيا، العضو فى الحلف الأطلسى من جهة، والعضو فى الترويكا (إلى جانب روسيا وإيران) من جهة أخرى التى انتزعت من الآخرين إدارة الملف السورى منذ عام ونيف من الزمن بشكل شبه كلى، أيدت بالطبع الضربة العسكرية وتحركت بنشاط لاحتواء أى توتر أمريكى روسى فى هذا المجال. علما بأن القنوات العسكرية الأمريكية الروسية كانت فعالة عشية الضربة لتلافى حصول أى خطأ ذى تداعيات كارثية على الجميع.

دون شك، وبعيدا عن التصعيد المنتظر والطبيعى على مستوى الخطاب الدبلوماسى والسياسى بين الأطراف المتصارعة حول سوريا، فإن الضربة العسكرية لا تعنى تغييرا فى قواعد اللعبة الأساسية التى استقرت، ولو بصعوبة. فالضربة، كما أشرنا، لم تأت تحت عنوان حرب مفتوحة لإسقاط النظام أو بهدف إحداث تغيير جذرى فى موازين القوى وقواعد اللعبة. بل جاءت تحت عنوان الحفاظ على خطوط حمر لعدم الخروج من «ملعب الصراع»، بغية الذهاب نحو الحل السياسى. ويرى كثيرون أن هذه العملية ستضر دون شك بمسار الحل السياسى الذى لم ينطلق بعد بسبب التوترات التى أوجدتها. ولكن يرى البعض الآخر عكس ذلك، إذ إنها ستدفع نحو طريق الحل السياسى غير المتضح المعالم بشكل أساسى بعد لسوريا، باعتبار أنه الطريق الوحيد للانتهاء من الأزمة التى قد تطيح بمصالح الجميع ولو فى أوقات مختلفة، فيما لو استمر التصعيد ضمن أفق زمنى مفتوح.

***

السؤال المطروح حاليا قوامه أن هذه العملية تأتى شهرا قبل موعد ١٢ مايو، التاريخ الذى حدده ترامب للخروج من الاتفاق النووى مع إيران إذا لم يتم اعتماد ملحق لهذا الاتفاق يحمل تعديلات أساسية عليه. وبالطبع يجد ترامب نفسه وحيدا فى هذا الموقف. فحلفاؤه الغربيون يؤكدون التمسك بالاتفاق، ربما كالخيار الوحيد الممكن، لتقييد إيران ومنعها خلال فترة زمنية معينة، حسب الاتفاق، من اللجوء إلى الخيار النووى. فإذا انسحبت الولايات المتحدة كما يقول ترامب، فإن ذلك سيربك بشكل خاص حلفاءها ويضعف موقفهم ويزيد من التوتر المفتوح على احتمالات مختلفة من الحروب بالوكالة أو الحروب الإقليمية المباشرة فى المسرح السورى. ويرى البعض غداة الهجوم الأخير أن هنالك سيناريو محتملا غير الانسحاب المباشر للولايات المتحدة وخلط الأوراق على الأرض. قوام هذا السيناريو تأجيل ترامب لقراره بالانسحاب لفترة زمنية أخرى بناء على طلب حلفائه أو تجاوبا مع مصالحهم بعد مشاركتهم بالضربة معه فيما يعمل هؤلاء الحلفاء على ملفى الصواريخ الباليستية الإيرانية، موضوع الصدام الغربى الآخر مع إيران، وعلى ملف الدور الإيرانى فى النقاط المشتعلة فى المنطقة.

يفترض أن يكون ذلك بمثابة رسالة إيجابية إلى إيران تسمح للأوروبيين وربما بمساعدة روسيا الاتحادية والصين الشعبية، وعبر سياسة العصا والجزرة الغربية على إحراز تقدم فى الملفين المذكورين يساهم فى منع حصول التصعيد المفتوح على جميع الاحتمالات.

سيناريو آخر ممكن وهو انسحاب ترامب من الاتفاق النووى ولكن دون اتخاذ إجراءات حادة تضر بالعلاقات التى أخذ حلفاؤه الأوروبيون بإقامتها مع إيران، ولو أيضا لفترة زمنية، يكون بمثابة سياسة الإمساك بالعصا من الوسط، مما يسمح لهم بتحفيز إيران على تقديم تنازلات فى الملفين الآخرين، ملف الصواريخ الباليستية، وملف الأزمات فى المنطقة لفترة انتقالية.

ولكن السيناريو الذى يبقى الأكثر ترجيحا، هو الاستمرار فى المسار التصاعدى عبر انسحاب ترامب من الاتفاق فى ١٢ مايو القادم وقلب الطاولة على الجميع مما يعرض المنطقة لمخاطر حصول تصعيد مفتوح على جميع الاحتمالات.

أمام هذا الاحتمال وخوفا من الدخول فى المجهول/المعلوم، فلقد حان الوقت لإطلاق مسار الحل السياسى الذى يجب أن يكون دون شك سوريا بامتياز بمشاركة جميع الأطراف السورية. ينطلق ذلك من «فوق إلى تحت»: من الدولى إلى الإقليمى إلى المحلى أى من القوى الخمس الكبرى فى مجلس الأمن عبر تفاهم حول إطار الحل وجدول زمنى له، ودفع الشركاء الإقليميين للانضمام إلى ذلك ضمن تشكيل مجموعة اتصال لهذه الغاية وذلك بغية دفع جميع اللاعبين المحليين المعنيين فى سوريا لولوج مسار التسوية كخيار وحيد لا بد منه لإنقاذ سوريا من رحى الحرب المدمرة.