نقص عليكم بقية ما جاء في الجزء الأول من أحداث ومواقف شهدتها جماعة الإخوان المسلمين في الفترة من عام 1948 لعام 1954. وللرجوع وتذكيركم بما حدث اقرأوا المدونة الأولى من هنا.

نجح الضباط الأحرار في تنفيذ مشروعهم وتنحية الملك فاروق بدعم شعبي قوي نابع من جماعة الإخوان المسلمين. بهذا الحدث طوينا ص

فحة المقالة الأولى لنذهب سويًا لفصل جديد توالت فيه الأحداث والمشاهد وهو فصل ما بعد ثورة يوليو (تموز).

استمر فصل التقارب ما بين جماعة الإخوان المسلمين والضباط الأحرار عندما قام الضباط الأحرار بتعيين علي ماهر رئيسًا للوزراء بناءً على ترشيحات وتوصية الجماعة بتعيينه. وهكذا كان للإخوان المسلمين رأي يُعتد به في أمر السلطة ومسار الدولة.

إلا أن فصل التقارب الذي استمر لمدة ليست بالقليلة قارب على الختام، وذلك عندما أُقيل على ماهر رئيس الوزراء وشرع مجلس الثورة في تشكيل وزارة تنفذ برنامجًا لم يكن واضح المعالم آنذاك (برنامجًا يتمكن فيه المجلس من فرض السيطرة الكاملة على الساحة السياسية وتنحية المعارضة جانبًا). وبغرض تسكين الهياج السياسي، عرض ناصر على الجماعة مشاركتهم في الوزارة الجديدة بعدد ثلاث حقائب وزارية. لم يقم الإخوان إلا بحقهم السياسي وقرروا مقاطعة تشكيل هذه الوزارة فألهبوا الحلبة السياسية (ما أسميتها حلبة إلا لحدة الصراع بين الطرفين فيما يلي). زاد الطين بلة عندما قرر الهضيبي المرشد العام للجماعة في تنحية الشيخ أحمد حسن الباقوري من الإخوان لما وافق الباقوري على تولي وزارة الأوقاف وبذلك خرج عن رأي الإخوان. وبالفعل استقال المرشح السابق لقيادة الجماعة الباقوري وأحد كبارها، وبهذا دب الخلاف الأكبر بين الضباط الأحرار والجماعة.

ظهر حينئذ التضاد السياسي والخلاف الفكري بين كلا الطرفين.

كانت الجماعة حينها أو قبل ذلك هي الشريك والرأي المدلَّل للضباط الأحرار. وما يبُرهن ذلك أنه في يناير (كانون الثاني) لعام 1953 صدر قرارًا بحل الأحزاب السياسية، ولما كانت الجماعة هي الشريك الشعبي والاستراتيجي الأول في 23 يوليو لم يُطبق القرار على الجماعة، وذلك بعد أن نصح ناصر جماعة الإخوان بإدراج اسمهم كجماعة، وليس حزبًا. بذلك أعطى ناصر الجماعة الحيلة ليفلتوا من قانون حل الأحزاب السياسية.

أما عن موقف الإخوان من هذا القرار فلم تُحرك ساكنًا تجاه بقية الأحزاب إلا إبان حل كيانها هي كما سيأتي تاليًا.

وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 1953 شكل الهضيبي قيادة جديدة للنظام الخاص وعين السيد فايز مكان عبدالرحمن السندي. كان ناصر يرتاب من السيد فايز الذي لطالما زامله في الجيش ومن المعروف أن السيد فايز هو من دبر لاغتيال النقراشي وعملية تفجير المحكمة العمليتين الأشهر للنظام الخاص، كما أنه زامل ناصر في السلاح في الجيش.
ما أغضب ناصر من هذا الأمر ليس استمرارية النظام الخاص المسلح، بل لتوصله لاتفاق مسبق وشبه مؤامرة مع السندي. لنقل أنه حصل ميول من السندي لعبد الناصر وقد تم اجتذابهم لمساندة الضباط الأحرار، وقد قطع عليهم الهضيبي الطريق فعزل السندي وعين السيد فايز. علم ناصر حينها أنه ليس من السهل التدخل في أمرها وشق صفها.

وتصاعدت الأمور حتى كتبت بداية السقوط للجماعة، وفي منتصف يناير (كانون الثاني) لعام 1954، حل المجلس جماعة الإخوان المسلمين حلًا نهائيًا بعد فشل دب المؤامرة في صفها. بهذا الحل فشل مخطط الجماعة للوصول للحكم عبر بوابة انقلاب 23 يوليو كما أطلقوا عليه بعد ذلك.

ما حدث بعد ذلك لم يكن ليتخيله أي سياسي إلا مُدقق في سيكولوجية المجند حين يتولى مقاليد الحكم. تم عقب حظر الجماعة اعتقال الآلاف من الإخوان وكوادرهم وطلابهم حتى وصل الحال باعتقال رأس الجماعة ومرشدها حسن الهضيبي.

ولكن لم ينته الأمر بهذه السرعة وبهذه الطريقة، بل صاحبت الدراما رحلة الإخوان حيث قرر نجيب في الشهر التالي في فبراير (شباط) لعام 1954 أن يستقيل واستخدام سلطته كوسيلة ضغط قوية على باقي زملاؤه من الضباط الأحرار لإرجاع الأمر للحكم المدني والتزام الجيش بأماكنه ومكانته. ففي 27 فبراير قرر الرئيس الأول للجمهورية الاستقاله من منصبه احتجاجًا على ما بدر من التخلص من جميع الأطراف السياسية الوطنية الشريكة في الوطن والذي يفترض لها أن تكون صانعة قرار.

وما حدث بعد ذلك كان أشد الأحداث سخونة والتهابًا في الشارع وتاريخ السياسة المصرية. وفور استقالة نجيب امتلأ الشارع المصري وتحديدًا أمام قصر عابدين ما يقارب المليون متظاهر ومحتج وغاضب مطالبين جميعًا بعودة السلطة المدنية وإرجاع الجيش لثكناته حتى أن الضباط الأحرار أنفسهم أقرَوا: إننا كنا نقوم بتحضير حقائبنا للرحيل وترك السلطة ومغادرة المناصب القيادية.
سطرت هذه المظاهرة أكبر وأعظم مظاهرة سلمية مصرية في القرن العشرين. كانت المظاهرة مليئة بأفراد الإخوان المسلمين والمدنيين المطالبين بقائمة من المطالب الذي لطالما حلم شعبنا بمثلها وهي – هيئة تأسيسية لتبني أسس الحياة المدنية – الإفراج عن الإخوان وعودة الأحزاب السياسية – عودة الجيش لثكناته. وبهذا أعلن الشارع وقوفه ضد ناصر وزملائه، لكن كيف انتهت هذه المظاهرة الهائلة التي لو استمرت ليوم كامل واحد فقط لغيرت كامل التاريخ المصري والقضاء على الحكم العسكري في مهده.

كان هناك قائد إخواني فذ له قدرة غير عادية على إدارة الجماهير وكان له شخصية قوية وهو عبدالقادر عودة، حيث قام الضباط الأحرار باستدعائه يومها وأقنعوه أن يخطب في الجماهير ليقنعهم بالرحيل وبالفعل خرج عودة في شرفة قصر عابدين بشخصيته المهيبة بصحبة قيادات الضباط الأحرار وخطب بما لا يزيد عن جملتين فحدث ما ندم عليه كل مدني مطالب بحكم مدني وهو رحيل المتظاهرين واخلاء ميدان القصر. وهكذا ساعد الإخواني عبد القادر عودة في استمرارية هؤلاء الضباط في القيادة حتى وصل به الحال إلى أن تم إعدامه على أيديهم هم. ومرت أكبر الأزمات على الضباط الأحرار بسلام ولم يخرجوا منها إلا موطدين مناصبهم بعد انتهاء الأزمة فيما يُعرف بأزمة مارس.

لم تنجح المظاهرة في تحقيق مطالبها إذ إنهم غادروا مواقعهم فاستمر الحال وزادت الكراهية بين ناصر والإخوان وباقي الأطراف المدنية حتى جاء اليوم الذي ضُربت فيه الجماعة في مقتل يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1954 فيما يُعرف إعلاميًا بحادثة المنشية. كان ناصر آنذاك رئيسًا للوزراء وكانت هذه الفترة هي إبان عقد اتفاقية الجلاء البريطاني. حالت الشبهات حول هذه الإتفاقية وشُكك في أمر تقديم التنازلات المبالغ فيها للإنجليز. فقرر ناصر الخروج للرد وسرد التداعيات وإيقاف التشكيك الذي أثر تأثيرًا كبيرًا على مجريات الأمور فذهب إلى الإسكندرية بالمنشية وخطب في الناس حتى خرج من قلب المظاهرة (محمود عبد اللطيف) بسلاح مسدس وأطلق ثماني رصاصات لم يصاب بأي منها ناصر وكانت محاولة اغتيال فاشلة لتنقلب الأمور رأسًا على عقب ويكن لناصر مبررًا في القضاء على الإخوان. فور القبض على محمود عبد اللطيف، اتهم ناصر الإخوان بتدبير اغتياله ونفى الإخوان هذا الأمر نفيًا قاطعًا. بين هذا وذاك نفذ عبد الناصر ما يرجو فعله واستغل الأمر في القضاء على الجماعة وعقد محكمة الثورة والتي قضت على حياة الإخوان المسلمين في الخمسينات.

وعلى إثر محاولة الاغتيال الفاشلة عقد الضباط الأحرار محكمة الثورة برئاسة جمال سالم، حيث قامت السلطات باعتقال ما تبقى من قيادات الإخوان المشهورة واستكملوا السلسلة القمعية لكامل الإخوان. قامت هذه المحكمة على ثلاثة أعضاء حسين الشافعي، وأنور السادات، وجمال سالم. وقد قررت المحكمة إعدام ستة من قيادات الجماعة أبرزهم عبد القادر عودة المهدئ والمسكن لأزمة مارس.

ظن الإخوان أنهم بتمكين الضباط الأحرار سيكونوا الطرف السياسي الأقرب للحكم وأنهم على مقربة من تنفيذ برنامجهم الشمولي، ولكن هيهات من يملي على العسكر فعله بل استخدمهم ناصر مرتين: يوم أن تمكن من مقاليد الحكم وأزاح بالملك فاروق، ويوم أن تخلص منهم وأخلى الساحة السياسية لقيادة الثورة وهيئة التحرير.

واستمر اضطهاد الإخوان فترات طويلة إبان هذه الفترة فلم يتمكنوا من الصعود إلا بعدها بسنوات عديدة في عصر السادات، ثم ساد الاضطهاد ضدهم حتى ثورة يناير فوصلوا للسلطة.

هكذا كان أمر الإخوان في ست سنوات من عام 48 لعام 54 ما بين اضطهاد وصل ذروته بقتل مؤسسهم إلى صعود سياسي وصل لمشاركتهم في اختيار رئاسة الوزراء والحث على تمكين الجيش، ثم هبوط حاد واضطهاد لأمرهم على يد العسكر.

وهكذا التاريخ كتب فصلًا هامًا في كتاب الإخوان.