إننا نتمزق بلا سببٍ حقيقي، وذاك جوهر المأساة.

مُبتدأ القول تنويهٌ واجبٌ مفاده أنَّ روايات نجيب محفوظ لا تخلو من رؤية سياسية خاصة، لكن قلما تكون السياسة هي محور رواياته، «ميرامار» هي إحدى تلك الروايات القليلة، جاءت رباعيةَ الوجه الروائي؛ بمعنى أنها متعددة الأصوات الروائية بشكل متكامل لم يوجد له مثيل قبلها، وهي كما قيل عنها «تراجيديا السقوط والضياع».

قسَّم محفوظ الرواية إلى أربعة أقسام، وخصَّ كل شخصية من الشخصيات الأربعة الرئيسية بقِسْمٍ منها، كأنما أراد بذلك بثَّ الإحساس بانفصال العوالم أو الفئات التي تمثلها هذه الشخصيات، وإيصالَ رسالة تبرز أن الشخصيات مع تعايشها في بقعة واحدة في الزمان والمكان فإن كلاًّ منها يمضي في حياته الخاصة مستقلًاّ عن الآخرين، هذا لا يمنع أنها قد تتماس في بعض الأحيان، لكنها لا تتداخل بحال من الأحوال، وبهذا التنوع في الصوت الروائي استطاع محفوظ أن يقدم شخصياته بأكثر من رؤية؛ إذ كان كل واحد منهم يفضي بذات نفسه، ومكنون مشاعره، وحقيقة علاقاته بالآخرين، التي ربما لا يستطيع البوح بها في مواجهتهم، كما استطاع أن يبرز الحدث الواحد في أكثر من صورة يختلف لونها تبعًا لاختلاف رؤية كل منهم الحسية والمعنوية لهذا الحدث، ولم يكن هذا التنوع والاختلاف سواءً في رؤية الشخصية أو الحدث سوى وسيلةٍ لتكامل البناء الفني في الرواية، وقالبٍ لاحتواء عناصرها في تماسك وانسجام.

في «الحب تحت المطر» و«الكرنك» طرح نجيب محفوظ رؤًى جزئية، ومواقف تحدّدها الأحداث المرحلية، لم يتروَّ في السرد، وإنما دفع رؤاه دفعة واحدة، ولهذا لم تُرسم شخصيات أبطاله في الرواية كشخصيات فنّية ضمن معمار روائي متكامل، بل إنّها شخصيات جامدة أو جاهزة لأنّ سلوكها لم يكن مبرّرًا تبريرًا فنّيًا مُقْنِعًا، مما ترك آثارًا واضحة على شخصيات الأبطال، والتي يُمكن القول عن معظمها إنها شخصيات مسطّحة لم يحاول محفوظ إثراءها بالحيوية الفنّية المقنعة، ولعل السبب في ذلك هو أن هذه الشخصيات لم تكن نماذج فنية بقدر كونها أبواقًا معبّرة عن رؤى محفوظ السياسية. لكن محفوظ عكس ذلك الفعل في «ميرامار» فجاء بتكنيكٍ جديد ومعمار روائي محكم، طرحَ من خلاله رؤية سياسية شمولية اقتضت منه بعض الأناة والروية، وكتبها، كما قلت مسبقًا، بطريقة فنية جديدة.

منطلق «ميرامار» الأساسي هو قضية الوضع الاجتماعي في مصر بعد صدور القرارات الاشتراكية سنة 1961، وطبيعة العلاقات التي نشأت بين طبقات المجتمع وعناصره في مرحلته الجديدة، جاءت كل شخصية من شخصيات الرواية قالبًا رمزيًّا لفئة من المجتمع حينذاك، وقارئ الرواية للوهلة الأولى لن يلاحظ هذه الرمزية، ولكن بعد منتصف الرواية أو أكثر سيتضح كل شيء.

رموز شخصيات الرواية

«ماريانا» مالكة «بنسيون ميرامار» هي رمز السيطرة الأجنبية التي قاومتها مصر ابتداءً من ثورة 1919 حتى ثورة يوليو 1952، و«بنسيون ميرامار» هو «مصر»، وما يدور بين «ماريانا» وبين الشخصيات بالداخل هو نفسه ما يدور بين أفراد الاحتلال والشعب المصري، وما يدور بين الشخصيات بعضها وبعض هو نفسه ما يدور بين طبقات المجتمع بفئاته وطوائفه.

«طلبة مرزوق» يمثل الإقطاع، وهي الطبقة التي صفّتها الثورة وقضت عليها، وقد كان من قبل وكيلًا لوزارة الأوقاف، وأحد المنتمين لأحزاب السراي، وكان يملك ألف فدان، أما بعد الثورة فقد فُرضت عليه الحراسة منذ عام أو أكثر، وجُرد من موارده عدا قدرٍ قليل، ومن ثم فهو ناقم بشدة على الحكم القائم، وهو في نقمته وحنقه على ذلك النظام يلتزم جانب الحذر وسوء الظن، ويضطر غالبًا في أحاديثه إلى أسلوب لولبي حين يتوهم أن بعض عيون الثورة من حوله.

ويليهما «حسني علّام» الذي يشكل الطبقة البرجوازية الكبيرة، ومع أن الثورة لم تمسه بأذًى في ملكيته، فإنه يكرهها من أعماقه، لأنها تحد من ازديادها، ولأنها خضعت لقوانين الإيجار التي سنتها، فضلًا عن أنها ليست مضمونة البقاء، هي «على كف عفريت» كما قالت الفتاة التي ذهب لخطبتها يومًا ما. وقد رسم نجيب محفوظ أعماق هذه الشخصية القاتمة في معادلة رمزية في بداية الفقرة الثانية من الجزء الخاص بـ «حسني علام»، وهذه المعادلة هي: «فريكيكو.. لا تلمني!»، ويُلاحظ أن «حسني علام» كان يُردد هذه المعادلة في حديثه المنطوق أو الصامت في الوعي الباطن، وقد يكون في ترديدها في أوائل المشاهد أو خواتيمها أو كليهما معًا، ويُرجَّح الظن بأن محفوظ قصد منها إعطاء إيحاء قوي بتركيبته النفسية والسلوكية المتمردة، من حيث ولعه باللذة وانطلاقه وراء المتعة متحللًا من كل الضوابط الأخلاقية والوطنية.

ثم يأتي بعد ثلاثتهم «منصور باهي» نموذجًا للشباب الذين جندتهم المخابرات للتعاون معها بالداخل، فقبلوا التمرغ في وحل الخيانة، وعاشوا حياتهم في الظلام. وتجاوزًا لبعض الأحداث كي لا تُحرق، فإن اعتراف «منصور باهي» في نهاية الرواية بقتل «سرحان البحيري» بالرغم من أنه لم يقتله، إلى جانب تقرير الطبيب الشرعي الذي رجح أن تكون الوفاة نتيجة انتحار لا قتل، ومع ذلك أصرَّ على الاعتراف أمام البوليس بأنه القاتل، يعكس علة نفسية كامنة في أعماق هذه الفئة، ألا وهي الرغبة المحمومة في الإيذاء.

أما «سرحان البحيري» فهو رمز لطبقة المنتفعين بالثورة الخائنين لها في الآنِ نفسه، وهو يقول عن نفسه إنه آمن بالاشتراكية قبل الثورة، فلما قامت الثورة شارك في تنظيماتها السياسية المتعاقبة، هيئة التحرير؛ فالاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي في النهاية، وإحكامًا للبناء الفني لهذه الشخصية، فإن محفوظ عَمد إلى جعل أبعاد شخصيته تتبدى على حقيقتها من خلال سلوكه ورؤيته للشخصيات التي تشاركه الحياة في البنسيون، فنراه منذ اللحظة الأولى شخصًا مفتونًا بالحياة المترفة الناعمة مولعًا بها إلى أقصى الحدود، ولم تتبدى أبعاد الشخصية في السرد كما هو الحال مع باقي الشخصيات.

أما «عامر وجدي» فيرمز إلى الشعب المصري في ماضيه الحي القريب وبطولاته المجيدة، وهو في دلالته الواقعية صحفي عجوز، إنه وبكل اختصار ذاكرةُ الشعب الواعية التي تحفظ كثيرًا من ألوان الخيانة التي عاشت على أرضه عبر عهود مختلفة، وراح ضحيتها كثير من الأناس الأبرياء.

عن شخصية «زهرة»

وتُترك كل تلك الشخصيات في كفة، وتوضع شخصية «زهرة» في كفة أخرى وحدها، فعلى صعيد فكرة البطولة، استطاع محفوظ أن يُثري شخصية زهرة بحيوية مميزة، وفنية محكمة، ومدلولات وأبعاد رمزية مقنعة، كان لها صدًى كصدى شخصية «جعفر الراوي» الذي حاول أن يلملم خيوط حياته المتناثرة، حتى بدت هذه الشخصية وكأنها شخصية أسطورية في رواية «قلب الليل».

حمَّل نجيب محفوظ شخصية «زهرة» ملامح «مصر الثورة»، مصر التي هجرت ماضيها بأوشابه وجهالته، وراحت تخطو إلى عهد جديد متسلحة بالعلم وقوة الشخصية والثقة بالنفس، وأقصد بهذا زمن كتابة الرواية، وليس الآن مطلقًا، وتمثَّل ذلك في القرار الذي اتخذته زهرة بتعلّم القراءة والكتابة على يد إحدى المدرسات، ومضيها في ذلك بعزيمة قوية وإرادة لا تلين، كما تمثل في رفضها لكل ما يمس كرامتها، «زهرة» هي مصر التي يخاطبها «عامر وجدي» رمز الشعب بقوله:

– إني مقيمٌ هنا يا زهرة.
– وأسرتك؟
قلتُ ضاحكًا:
– لا أحد لي في الدنيا سواك.

«زهرة» هي مصر التي دأب «عامر وجدي» على الدعاء لها من قلبه بأن يحفظها الله ويسعدها، هي مصر التي يُقال عن «ماريانا» – رمز السيطرة الأجنبية- إنها على استعداد لحمايتها أو استغلالها، هي مصر التي تهواها كل الطبقات الممثلة في نماذجها المختلفة التي كانت تميل على اختلافها إليها، فـ «طلبة مرزوق» يميل إليها ميلًا جنسيًا دنيئًا يروم من ورائه تحقيق المتعة فحسب، وهكذا كان ميل طبقة الإقطاع نحو مصر ميلًا أساسه المنفعة والكسب المادي.

وقد حاول كل من «حسني علام» و«منصور باهي» اجتذابها إلى ساحته، والدخول معها في علاقة غرامية، أما هي فأشاحت عنهما ولم تبدل هواها إلا لـ«سرحان البحيري»، وكان أملها في أن يفي لها ويتزوجها أملًا كبيرًا، لكنه ظل يماطل متحججًا بالصعوبات والمشاكل التي تعترض طريق زواجهما، ثم تكشفت خيانته لها وغدره بعهده معها، فكان «سرحان البحيري» التجسيد الأمثل لطبقة المنتفعين من الثورة، والخائنين لها في الوقت نفسه، ولذلك حقَّ لـ«زهرة» حينئذ أن تبصق على وجهه، وأن تكيل له اللطمات.

وكان على «زهرة» بعد فجيعتها في «سرحان» وفشل تجربتها معه أن تنظر إلى أمر حياتها من جديد، ولم يكن أحد من رفاق البنسيون يشعر بما تقاسيه من آلام ويتعاطف معها بصدق وإخلاص سوى «عامر وجدي»، فيقول لها:

– أود أن أطمئن عليكِ يا زهرة، إني أحبكِ، هو حب متبادل في ما أعتقد، وباسمِه سأرجوك أن تقصديني عند الشدة.
رمَقَتْني بامتنان وحب، فقلتُ:
– مهما يكن من مرارة التجربة الماضية فلن تغير مرارتها من طبيعة الأشياء، ستظل غايتك المنشودة هي العثور على ابن الحلال!

والسؤال هو: هل يدعو نجيب محفوظ «مصر الثورة» على لسان «عامر وجدي» إلى طرح الثقة بنظامها كله بعد ظهور مثالبه وعيوبه، أو إلى الدقة في اختيار العناصر التي تقول على رعايته وتطبيقه؟

أعتقد أنه أكد موقفه في رفض الحل اليميني لمشكلة النظام القائم، وعدَّ المشكلة في القائمين على أمره، إذ رأى بذلك أن القضاء عليها باختيار الصالح من الحكَّام، ولذا يهمس في أذن زهرة، وهي تغادر البنسيون، بقوله:

ثقي من أن وقتك لم يضع سدى، فإن من يعرف من لا يصلحون له فقد عرف بطريقة سحرية الصالح المنشود.

منتهى القول:

نجيب محفوظ عرّى أعماق الشخصية وأبرز أحاديثها الصامتة الدائرة في مستوى ما قبل الكلام من خلال الشخصية نفسها، ودون تدخل منه، وفي هذا تختلط الضمائر، ويتذبذب السياق الروائي بين ضمير الغيبة، وضمير المتكلم، والخطاب دون أدنى إشارة سابقة إلى حدوث هذا التغيير. كذلك تتوالى الجمل موصولة ببعضها البعض مع استقلال كل منها في الدلالة وعدم ارتباطها بسابقتها أو لاحقتها ارتباطًا منطقيًّا، وذلك تماشيًا مع الحقيقة النفسية القائلة بأن الوعي يفيض بموجات متلاحقة من الأفكار، وأن الصور كثيرًا ما تتقاطع مع بعضها.

مَن لم يقرأ لمحفوظ فقد فاته الكثير، لم يعرف الرواية ولا قيمتها ولا لذتها، وكيف هذا وقد فاته الركن الأساسي للرواية العربية الذي يقوم على طرح قضايا الإنسان المعاصر مُبرزًا المعاناة والتعقد على قسماته؟ فسِمَة الواقعية وشمٌ التصق بأدب محفوظ. محفوظ وصلَ بالرواية العربية إلى مستوى من التأصيل والانطلاق الفريدين، خلصها من كثير من العيوب والنواقض، وقطع بها أشواطًا طويلة إلى الأمام حتى أصبح لها على يديه وجودٌ حقيقي يُعترَف به.