في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي نشأت مملكة أرمينيا الصغرى في إقليم قليقية، في المنطقة الواقعة بين جبال طوروس والبحر المتوسط، وامتدت حدودها حتى بلاد الشام.

لم يكن يربط الأرمن بالشعوب المجاورة لهم سوى مصلحتهم الذاتية؛ لذلك كانت علاقتهم تتأرجح بين الولاء والعداء للمسلمين تارة، وللبيزنطيين تارة أخرى، حسب ميل ميزان القوة لكل طرف، حتى ظهر السلاجقة الأتراك قوة إسلامية صاعدة، استولت على معظم المدن الأرمينية، وكان ظهور الصليبيين بمثابة إنقاذ لهم من الخضوع للسلاجقة.

كان الأرمن حلفاء طبيعيين للصليبيين في معظم مراحل الوجود الصليبي في الشرق الإسلامي، وكانوا ظهيرًا لهم في صراعهم مع المسلمين، رغم الخلافات المذهبية بينهم، ودخل الأرمن في الفوضى السياسية التي أعقبت موت صلاح الدين؛ إذ انغمس الصليبيون بمختلف طوائفهم والأرمن والأيوبيون وسلاجقة الروم والخوارزميون في صراعات وتحالفات كانت تتغير باستمرار، حتى ظهر ذلك الإعصار القادم من الشرق الذي أنهى هذه الفوضى.

خضع ملوك أرمينيا للمغول في عام 1243م- 641هـ إثر الحملة المغولية على آسيا الصغرى، ولتأكيد الخضوع أرسل هيثوم الأول ملك أرمينيا شقيقه المؤرخ سمباد إلى بلاط خان المغول جيوك في قراقورم، في عام 1248م- 646هـ، وأمر القائد المغولي باطو هيثوم الأول بالتوجه إلى بلاط منكو خان المغول الجديد، فزار هيثوم الأول بلاط منكوخان في قراقورم في عام 1254م- 652هـ لتقديم فروض الطاعة والولاء، وقدم هيثوم الأول لمنكوخان بعض طلبات، ومنها:

  • أن يعمل المغول على انتزاع الأراضي المقدسة من المسلمين.
  • أن يحصل على مساعدة قوات المغول القريبة منه في أي وقت.
  • أن يعيد المغول كل الأراضي التي استولى عليها المسلمون من الأرمن إليهم.

وعمل هيثوم الأول على إخضاع صهره أمير أنطاكية، وكونت طرابلس بوهيموند السادس للمغول، ونجح في ذلك.
شارك الأرمن هولاكو في حصار مدينة ميفارقين التي صمدت في وجه المغول حتى سقطت بعد عامين من الحصار، ووصل هيثوم الأول إلى هولاكو، وهو معسكر في مدينة الرها، وقدم له فروض الطاعة والولاء، ثم نصحه بالبدء بالاستيلاء على مدينة حلب التي يسيطر عليها الناصر يوسف، وقال له إن المدينة هي أهم مدن الأيوبيين بالشام، وبسقوطها ستسقط باقي المدن.

اقتنع هولاكو برأي هيثوم الأول وقبل مساعدة جيشه التي عرضها عليه «كان تعداد الجيش الأرمني يصل إلى 12 ألف مقاتل»، وتحرك هولاكو باتجاه حلب، وفرض حصارًا شديدًا عليها، واستمر الحصار مدة أسبوع، لكن المدينة سقطت، وقام المغول والأرمن بمذبحة بشعة فيها، وأشعل هيثوم الأول نفسه النيران في مسجد حلب الكبير، وأرسلت النساء والأطفال إلى بلاد الأرمن حيث بيعوا عبيدًا.

ثم دخل المغول دمشق، وكان معهم هيثوم الأول وقواته وبوهيموند السادس أمير أنطاكية وقواته، وأقام بوهيموند وهيثوم قداسًا في مسجد دمشق الجامع، وأمروا جنودهم بأن يشربوا الخمر ويأكلوا لحم الخنزير بالمسجد نكاية بالمسلمين.

ثم اشتركت القوات الأرمينية في موقعة عين جالوت مع المغول ضد الجيش المملوكي وكانت الهزيمة، وكان من نتائج المعركة عودة الوحدة الإسلامية لتضم مصر والشام مرة أخرى تحت قيادة المماليك، وكان على الأرمن وملكهم أن يكونا هدف الانتقام الإسلامي الأول.

فبعد أن استتب الحكم للسلطان الظاهر بيبرس، اتخذ بعض الإجراءات لكي تدعم مركزه وسلطته داخليًّا وخارجيًّا، وبعد أن قضى الأشرف موسى والمنصور محمد على الحملة المغولية الانتقامية على الشام في موقعة حمص الأولى، بدأ بيبرس في بناء آلته العسكرية التي ستواجه أعداءه المغول والصليبيين والأرمن.

وبمجرد تثبيت السلطان الظاهر بيبرس أركان دولته، وجه نظره تجاه عدوه الأول «الأرمن»،
فإن موالاة الأرمن للمغول واعتداءهم على المسلمين في إقليم الجزيرة الفراتية وحلب ودمشق، جعلت منهم هدف الانتقام المملوكي الأول، لكن لم يكن هذا هو السبب الوحيد.

كان للعامل الاقتصادي أثر مهم في دفع العجلة العسكرية المملوكية لتدمير مملكة الأرمن، فقد أدى الغزو المغولي لغرب آسيا إلى قطع طرق التجارة البرية بين غرب أوروبا وآسيا، الأمر الذي زاد من أهمية طريق البحر الأحمر وسواحل مصر، وأدى هذا إلى احتكار سلطنة المماليك لتجارة البحر المتوسط.

إلا أن المغول بعد استقرارهم في إيران والعراق، وبعد أن خضع لهم الأرمن وسلاجقة الروم في الأناضول، شجعوا التجار والمدن الإيطالية التجارية على اجتياز الطرق البرية إلى الصين من خلال موانئ البحر الأسود وميناء إياس الواقع في مملكة قيليقية الأرمينية، وبذلك لم تعد مصر تحتكر تجارة البحر المتوسط مع الغرب الأوروبي، وأصبح ميناء إياس منافسًا قويًّا لميناء الإسكندرية، وجذب نسبة كبيرة من تجارة أوروبا إلى آسيا؛ فكان على بيبرس أن يدمر القوة الأرمينية لخطورتها العسكرية والاقتصادية على سلطنة المماليك.

أدرك هيثوم الأول تغير موازين القوى في المنطقة، فأرسل إلى السلطان الظاهر بيبرس يعرض عليه الصلح، ورفض السلطان بيبرس طلبه ورد الرسل.

وفي عام 1265م- 663هـ مات هولاكو، وزال الخطر المغولي عن بلاد الشام موقتًا؛ لانشغال أباقا ابن هولاكو في حروبه مع مغول القبيلة الذهبية حلفاء المماليك، وأطلق هذا يد بيبرس أمام أعماله الانتقامية ضد الأرمن والصليبيين.
وفي العام التالي كان على الصليبين والأرمن أن يستعدوا لتلقي هجمات بيبرس المتوالية عليهم، فقد أعد بيبرس لحملة عسكرية ضخمة في هذا العام، واتخذ من الإجراءات ما يدل على عبقريته العسكرية، ودهائه، وحسن تدبيره.
فقد أمر ببناء جسر على نهر الفرات، وأمر ببناء مراكب في دمشق وأرسلت إلى قلعة ألبيرة، كل هذا ليوهم المغول أن حملته القادمة ستكون ضدهم فيمتنعوا عن إرسال أي قوة لمساعدة الأرمن فقد حانت ساعة الانتقام المملوكي منهم.
خرج السلطان الظاهر بيبرس من مصر في جيش مهيب، ووصل إلى غزة بعد يومين، وهناك قسم جيشه إلى قسمين:

  • بعث القسم الأول بقيادة قلاوون إلى حمص دون أن يعلم أحدًا وجهته.
  • القسم الثاني بقيادة بيبرس نفسه، وتحرك باتجاه عكا.

وصل بيبرس بقواته إلى عكا، وهناك قسم جيشه مرة أخرى إلى خمسة أقسام، وبذلك يكون قد شغل كل طوائف الصليبيين دون أن يعرفوا أين سيقع هجومه.

»كانت من عادة السلطان الظاهر تحري السرية التامة في تحركات قواته وتحركاته هو شخصيًّا، وهذا ساعده كثيرًا على نجاح قواته في إنجاز المهام الموكلة إليها وتنفيذها دائمًا، كما كان حريصًا على مراقبه تحركات أعدائه لحظة بلحظة».

في هذا الوقت ذهب ملك الأرمن مسرعًا إلى المغول ليطلب مساعدتهم ضد المماليك، وترك ولديه ليو وثوروس يتوليان أمر المملكة، لكن المغول كانوا مشغولين في حرب ضروس ضد مغول القبيلة الذهبية.
علم بيبرس من خلال إحدى عيونه بخروج ملك الأرمن إلى أراضي المغول، فأمر بأن يخرج المنصور محمد صاحب حماة ومعه قلاوون بقواتهم والتوجه إلى بلاد الأرمن، وكان الأمر المباشر لهذه القوات هو إنزال أقصى قدر ممكن من الدمار والخراب على المدن الأرمينية.

وفي عام 1266م- 664هـ، خرج المنصور محمد وقلاوون بقواتهم إلى حصن دربساك وحصن بغراس، وأرسلا إلى ليو بن هيثوم يطلبا منه الاستسلام والدخول تحت الطاعة المملوكية، لكنه رفض وأمر بحبس الرسل وتقييديهم.

وظن الأرمن أن المماليك لن يستطيعوا الوصول إليهم لوعورة الممرات الجبلية إلى قيليقية، وترقب أبناء هيثوم مع الجيش الأرميني هجوم المماليك عبر سهل صغير منخفض يقع بين المدينة الساحلية الإسكندرونة وبداية المرتفعات الجبلية للمدينة، ولكن هذا لم يحدث.
عبرت القوات المملوكية من المرتفعات الجبلية شديدة الوعورة والخطورة، ودخلت إلى قلب أرمينيا دون أي مقاومة وشرعوا في إنزال التدمير بالمدن الأرمينية، وتحرك الجيش الأرميني بسرعة من أجل ملاقاة الجيش المملوكي .

وتلاقى الجيشان في سهل يقع إلى الشرق من مدينة طرسوس، كان الجيش الأرميني أكثر عددًا من الجيش المملوكي، لكنه لم يكن ندًّا للجيش المملوكي الذي أنزل هزيمة ساحقه بالأرمن، وقتل ابن هيثوم ثوروس، وقتل معه عمه سمباد كندسطبل المملكة، وأسر ابنه الثاني ليو مع عدد من الأمراء .

واقتحم المنصور محمد مدينة سيس عاصمة مملكة الأرمن، ودمرها وخربها، وأحرق كنيستها الكبرى والقصر الملكي بها.

وتحرك قلاوون بباقي الجيش، ودمر ونهب مدن إياس وأضنة وطرسوس والمصيصية، وانتشرت القوات المملوكية في كل سهل قيليقية ودمروا كل ما صادفوه من حقول وقرى، ودمروا تل حمدون وسرفنتكار، وأحرقوا حصني العمودين والتينات، وكانوا في حوزة فرسان الداوية بعد أسر من فيهما.

وعاد المنصور محمد وقلاوون بقواتهم إلى حلب ومعهم ما لا يوصف من الغنائم، كانت غنائم المسلمين من هذه الحملة على أرمينيا أضخم ما غنمته جيوش إسلامية منذ موقعة حطين، وبلغ عدد الأسرى 40 ألف أسير.

عاد هيثوم الأول من أراضي المغول إلى بلاده ليجدها خرابًا، وليعاني من الحزن على موت أحد أبنائه وأسر ابنه الآخر، وضياع كل جهوده في إعلاء شأن مملكته التي لم تقم لها من بعد ذلك قائمة.

اشتد حزن هيثوم على ضياع كل جهوده، فترهب بقية حياته وعاش في أحد الأديرة، ومات في عام 1269م- 667هـ بعد أن أطلق بيبرس سراح ابنه ليو في اتفاقية تبادل أسرى مع المغول.

وهكذا كان الارتباط الأرميني بالمغول والخضوع، لهم بالإضافة إلى ما ارتكبوه من جرائم في حق الإسلام والمسلمين في بلاد الشام وبالًا على أرمينيا، وكان هذا الأمر ما جعل الأرمن أول الأعداء الذين خطط بيبرس للانتقام منهم، وستظل ما تبقى من مملكة الأرمن عرضة للانتقام المملوكي كل فترة، حتى تفسخت في النهاية مملكة الأرمن وانتهى وجودها وضمت نهائيًّا إلى سلطنة المماليك.