علاقة الشخص بلغته الأم تُعبّر، بشكل أو بآخر، عن علاقته بهوّيته. علينا أن نتصالح نفسياً مع ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، ونتغلّب على عقلنا الجمعي المهزوم، حتى نستطيع أن نبني علاقة ســليمة مع لغتنا العربية، وننظر إليها بشكل إيجابي.

يلاحظ بسهولة أنّ هناك إشكاليّة في العلاقة التي تسود بين اللغة العربية والمجتمعات العربيّة، وليس الحديث هنا عن درجة إتقان اللغة العربيّة، والقدرة على الصرف والنحو والكتابة بدون أخطاء إملائيّة، بل عن طبيعة العلاقة النفسيّة معها، وبشكل أدقّ عن اتجاهات أفراد تلك المجتمعات نحوها. ويمكن تعريف الاتجاه نحو اللغة العربية بأنه منظومة من القيم والتصورات، السلبيّة أو الإيجابية، عنها، والتي تؤدي إلى مشاعر وانفعالات، نفور أو انجذاب، تجاهها. ومشهدان يمكنهما أن يعبّرا عن الاتجاهات السائدة في المجتمعات العربية نحو لغتها الأم:
الأول، مشهد شخص عربي تونسي أو مغربي أو فلسطيني أو سوري أو خليجي مع آخر عربي تونسي أو مغربي أو فلسطيني أو سوري أو خليجي يتحدثان مع بعضهما بالفرنسيّة أو الإنكليزيّة، على الرغم من أنّهما ولدا في مجتمعين عربيين، وتعلّما في مدارسهما. الثاني، مشهد أب وأمّ عربيين يعيشان في دولة عربيّة، ويتحدثان مع أولادهم بلغة أجنبيّة، على الأغلب الفرنسية في بلدان المغرب العربي، والإنكليزيّة في بلدان المشرق والخليج.
ولا يحتاج الأمر لتحليل وتشخيص كثيرين، لمعرفة أنّ هناك نظرة دونيّة سائدة، خصوصا عند بعض الأكاديميين، تجاه اللغة العربية. ولا تسمح هذه النظرة لهم بالتصالح مع اللغة العربية، والتطبيع معها، والتعامل بها بوصفها لغةً أما في مجالات الحياة المتنوّعة بشكل عام، والمجال العلمي والبحثي بشكل خاص.
وغالباً ما يصرّح هؤلاء بأن اللغة العربيّة غير قادرة على استيعاب العلوم أو المصطلحات العلميّة، أو أنّهم يتقنون اللغة الأجنبيّة، الفرنسيّة أو الإنكليزية، أكثر من العربيّة، لذلك يستخدمونها أكثر، وغالباً ما يترافق هذا التصريح بابتسامات خفيفة منهم، تعكس نوعا من التباهي اللاشعوري بهذه الحالة.
“حين نستعير من ثقافةٍ معينةٍ لغتها، فهي تفرض علينا أسلوب تفكيرها ومعاييرها وقيمها بشكل أو بآخر”

ولكن، هل فعلاً اللغة العربية جامدة وعاجزة عن أن تكون لغة علوم؟ هل فعلاً هم يتقنون الإنكليزية أو الفرنسيّة أكثر من لغتهم الأمّ؟ أثبتت دراسات وأبحاث وملاحظات أننا يمكن أن نجيب بالنفي عن السؤالين، وربما السؤال الذي يجب طرحه هنا: هل هناك فعلاً أزمة لغة عربيّة، أم أنّها في الحقيقة أزمة هُويّة عربيّة؟
علاقة الانسان بلغته الأم وسلوكه اللغوي يرتبطان بظواهر نفسية اجتماعية، يجب فهمها لتفسير هذا السلوك، فالرغبة الملحّة للتحدّث بلغة أجنبية عند بعض الأكاديميين العرب لا يمكن فهمها إلا من خلال الاستلاب اللغوي وعقدة النقص تجاه الغرب، أو ما تسمى عقدة الرجل الأبيض التي تُعبّر، بشكل أو بآخر، عن ثنائية المُسيطِر- المسيطَر أو المُستعمِر-المستعمَر، إذ يعتقد هؤلاء، بشكل لا واع في معظم الأحيان، أن استخدامهم اللغة الأجنبية هو نوع من السلوك الحضاري، ويُعطي صورة إيجابية عنّهم. بالنسبة لهم، اللغة العربيّة هي لغة المهزوم والمأزوم في أدق تفاصيل حياته، إنها لغة الماضي، بينما اللغة الأجنبية هي لغة المنتصر الحضاري، لغة الحداثة والتجديد.
وربما يبرّرون سلوكهم اللغوي بالقول إنهم لا يستطيعون نشر بحوثهم العلمية إلا باللغات الأجنبية، وبأنه يمكننا بناء فكر عربي علمي بلغة غير عربية. ولكن من السذاجة الاعتقاد أن اللغة هي وسيلة تواصل فقط، إنها أداة التفكير الرمزي عند الإنسان، فهي التي تمكّنه من صياغة المفاهيم والأفكار والتعبير عنها، اللغة ليست فقط رموزا لغوية، وإنما أيضاً، وربما هذه الأهمّ، رموز ثقافيّة لها دور رئيس في تشكيل هُويّة الإنسان. لكي نفهم شخصاً جيداً، علينا فهم ما يقوله وما لا يقوله، علينا فهم كلامه وصمته بالدقّة نفسها. اللغة هي أسلوب تفكير وحياة وطريقة لرؤية العالم وتصوره، وحين نستعير من ثقافةٍ معينةٍ لغتها، فهي تفرض علينا أسلوب تفكيرها ومعاييرها وقيمها بشكل أو بآخر. كما أن التاريخ لم يسجل نهضة علمية معرفية لشعبٍ من الشعوب بغير لغته الوطنية.
وبخصوص النشر العلمي، يمكن إعطاء مثال مدرسة الرياضيات الفرنسية التي تعتبر من أكبر المدارس المؤثرة في العالم، فمؤسسة باريس لعلوم الرياضيات تضم حوالي ألف باحث بينهم خمسمائة دائمون، وتمثل، مع مختبراتها الباريسية التسعة، أكبر مُصدّر في العالم للباحثين في

“الرغبة الملحّة للتحدّث بلغة أجنبية عند بعض الأكاديميين العرب لا يمكن فهمها إلا من خلال الاستلاب اللغوي وعقدة النقص تجاه الغرب”

حقل الرياضيات الأساسية والتطبيقية، وتنشر أغلب بحوثهم باللغة الفرنسيّة، وذلك على الرغم من أن الفرنسية تعاني أيضاً من سيطرة اللغة الإنكليزية. وفي هذه الصدد، يقول لوران لافورغ، وهو أحد أكبر علماء الرياضيات في العالم والحائز في عام 2002 على جائزة آبل (تعادل جائزة نوبل في العلوم الأخرى): “ليس لأن مدرسة الرياضيات الفرنسية مؤثرة تستطيع أن تنشر باللغة الفرنسية، وإنما لأنها تنشر بالفرنسية فهي مؤثرة”.
ولكن يجب ألا يُفهم الكلام أعلاه تحذيرا من الازدواجية اللغوية، أو الانفتاح على الثقافات الأخرى، أو دعوة إلى رفض اللغات الأجنبيّة. على العكس، أهم عامل للنهوض المعرفي العربي هو إتقان تلك اللغات والانفتاح على الثقافات الأخرى والاختلاط بها والنهل منها، ولكن بشرط ألا يكون ذلك على حساب اللغة العربيّة، وإلاّ نبقى ناقلين الأفكار ومستهلكين لها، ولن نصبح أبداً منتجين لها، فباللغة العربية يمكن الاستمتاع بكتاب جبران خليل جبران “النبي”، وباللغة الأجنبية يمكن الاستمتاع بكتاب نيتشة “هكذا تكلّم زرادشت”.
ولا يجب أن ترتبط اللغة العربية بتيّار فكري تراثي يحاكي الماضي، ويتطلع إليه بشوق وحنين وتقديس واعتزاز غير منطقي، ويرفض الحاضر والمستقبل والتواصل الثقافي، ويسعى نحو الانعزال والتقوقع الهوياتي. على العكس، بواسطة لغتنا العربيّة، نفرض على الثقافات الأخرى ليس فقط وجهات نظرنا، وإنما أيضاً الاعتراف بوجودنا أشخاصا وأفرادا ومجتمعا لنتعامل معهم ونعطيهم من ثقافتنا ونأخذ من ثقافاتهم. وبرفضنا سيطرة اللغة الإنكليزيّة، على سبيل المثال، لا نرفض لغة شكسبير، وإنما لغة “وول ستريت”.
خلاصة القول، إن علاقة الشخص بلغته الأم تُعبّر، بشكل أو بآخر، عن علاقته بهوّيته. علينا أن نتصالح نفسياً مع ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، ونتغلّب على عقلنا الجمعي المهزوم، حتى نستطيع أن نبني علاقة ســليمة مع لغتنا العربية، وننظر إليها بشكل إيجابي.