15f65d3b-3392-4034-a8c9-721a057b3083.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

بسمة النسور

يبدو أن الروح تتوقف عند حد معين، عمر الشباب، حيث إمكانات الحب والفرح والأمل والتحقق. تثبت الروح البلهاء في أسر تلك المرحلة مقاومةً بكل ما أوتيت من وهم، فيما يخذلنا الجسد سريعا، ينصاع وينهزم أمام سطوة الزمن، ويصل إلى الكهولة.

استشاطت النجمة المصرية المخضرمة، نادية الجندي، غضبا، وعبرت عن استياء شديد، بعد تداول فيديو لها وهي ترقص، مع تعليق يعبر عن إعجاب بروح الشباب لديها، ويفيد بأنها بلغت مرحلة الثمانينات. وقالت، في تصريح ناري، إنهم يكبرون عمرها عمدا ولأسبابٍ خبيثة. وقد أضافوا إلى عمرها اثني عشر عاما. ونشرت بطاقتها الشخصية التي توضح أنها من مواليد عام 1948. ووفقا لهذه البطاقة التي قد تكون مزوّرة، فإن نادية الجندي على حوافّ السبعين.
كاتبة مقال سياسي سبعينية، ذات تاريخ حزبي طويل، وتحمل شهادة عليا، ولديها منجز فكري وثقافي تعتز به، تحرص على الإشارة في كل مناسبة إلى أن هناك خطأ فادحا في تاريخ ميلادها، وأن والدها أضاف سهوا خمس سنوات إلى عمرها.
ويقول جارنا الطيب، الحاج أبو العبد، الذي بلغ من العمر عتيا، إنه كان يشاهد أفلام صباح وهو طفل صغير بمعية والده في يافا قبل أن تضيع البلاد. ويحمل اليهود، الله لا يسامحهم، وزر ضياع الوثائق الرسمية، ومنها شهادة ميلاده، تم الاستعاضة عنها بتقدير السن، ما تسبب في إضافة سنواتٍ غير حقيقية إلى عمره. وتحتد الخالة الثمانينية، أم علي، حين تغيظها شقيقتها أم محمد التي تصغرها بست سنوات، قائلة: أصلا الناس تظن أنك أمي. .. ترد بغضب: صحيح “ما أنا هزيت في سريرك يختي”.
ويعبّر رجال خمسينيون عن سخطهم، حين تخاطبهم الصبايا بكلمة عمو تأدبا واحتراما، فيشعرون بالصدمة في كل مرة. وحين يعبر نشطاء من أعمار مختلفة عن غضبهم من كاتبة سبعينية، تستفزّهم طروحاتها الإشكالية، لا يجدون ما يشتمونها به سوى العجوز الشمطاء، في هجائية مضحكة للتقدّم بالعمر، باعتباره تهمةً نحاول كلنا التنصّل منها، ما يؤكد على هشاشة البشر المساكين، المتشبثين بوهم الصبا والشباب الدائم، وضعفهم، فتصدر عنهم أحيانا تصرفاتٌ صبيانيةٌ هوجاء، يعتقدون أنها كفيلة بتبرئتهم من تهمة الختيرة، علما أنها تؤكّد الحقيقة الوحيدة الساطعة، أننا نتقدّم في العمر، ونغدو عجائز في نظر من هم أصغر سنا.
يبدو أن الروح تتوقف عند حد معين، وهو عمر الشباب، حيث إمكانات الحب والفرح والأمل والتحقق. تثبت الروح البلهاء في أسر تلك المرحلة مقاومةً بكل ما أوتيت من وهم، فيما يخذلنا الجسد سريعا، ينصاع وينهزم أمام سطوة الزمن، ويصل إلى الكهولة، بوابة الموت، مهما أوغلنا في النكران. ومهما بلغ غضب السيدة نادية الجندي، وحاولت المكابرة، عليها أن تعترف بأنها لم تعد تلك المرأة الفتية التي يتهافت المنتجون لتقديم أدوار البطولة لها، ويتسابق العشاق لنيل ودها، وأنها أصبحت سيدة عجوزا، وأن الساحة تعجّ بالنجمات الشابات اللواتي سيمضين في الدرب نفسه، تسرقهن سكينة الشهرة، يحاولن تجاهل حقيقة سطوة الزمن إلى أن يجدن أنفسهن في لحظة مجابهة مخيفة مع حقيقة التقدّم في العمر. يبذلن جهودا خرقاء في إثبات صبا زائل، لم يدم لأحد من قبل.
لا أحد منا يعتبر من قصص من سبق، وكل منا يوهم نفسه أنه مختلف، وأنه مستثنى، وأن كل أقرانه أصبحوا عجائز بائسين، فيما احتفظ هو بسر الشباب. ثمّة فيلم هوليوودي عبقري بعنوان “القوقعة”، يتحدث عن مجموعة عجائز يقيمون في سكن خاص بكبار السن، يكتشفون مصادفةً، وفي البيت المجاور المهجور، بركة سباحة تستقر في قعرها قواقع صخرية غريبة الشكل، غامضة، يتسللون إلى البيت المهجور، لكي يستمتعوا بالسباحة، ليلاحظوا أنهم يستردون شبابهم وحيويتهم حال الهبوط إلى البركة، ليكتشفوا فيما بعد أن ثمة مخلوقات فضائية تستدرجهم إلى البركة، تمهيدا لاصطحابهم إلى كوكب بعيد، يتوفر فيه شرط الخلود. ينتهي الفيلم بلقطة ذكية، يستقل فيها المسنّون الذين استعادوا شبابهم الضائع قاربا كبيرا تنفيذا لإرادة القبطان الفضائي الذي يزيّن لهم حياة مختلفة، خالية من مظاهر الشيخوخة، يتخلون عن الأهل والأحبة بكل سهولة، ملاحقة لذلك الوهم، وينتهي الفيلم مفتوحا على تأكيد مدى عجز الإنسان، الكائن المسكين عن مواجهة استحقاق ورطة الوجود.

إعجاب تحميل...