اقتنع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بخطورة ما سيقدم عليه في سورية بالانسحاب، وما أقنعه قد يكون خطورة ما تم التفاهم حوله في قمة أنقرة بين رؤساء تركيا وروسيا وإيران، وطريقة ملء الفراغ الذي سيخلفه انسحاب القوات الأميركية.

نجح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في وضع العلاقة بين تكتل أستانة الثلاثي بشأن سورية، تركيا وروسيا وإيران، أمام امتحان صعب، وذلك بعد أيام معدودة على قمة أنقرة التي عقدتها قيادات هذه الدول، والبيان الختامي عن التقارب والتنسيق في الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها الملف السوري.
ترامب الذي كان يتحدث عن اقتراب موعد سحب القوات الأميركية من سورية لم يبدل رأيه فقط، بل أعطى الأوامر للقوات المسلحة بتنفيذ ضربة عسكرية ضد مواقع للنظام، بسبب استخدام الأخير أسلحة كيميائية محظورة في الغوطة ودوما، وتمت هذه الضربة مشتركة مع فرنسا وبريطانيا، فجر 14 إبريل/ نيسان الجاري.
للتحول السريع والمفاجئ في المواقف الأميركية أسباب كثيرة، أهمها قد يكون قمة العاصمة التركية وقراراتها والإعلان عن التمهيد لقمة جديدة في طهران، وما قد تحمله من مفاجآت تفتح الطريق أمام تحول التفاهم الثلاثي إلى حلف رباعي يضم الصين، أو خماسي ينقذ الأسد ويجلسه أمام الطاولة الإقليمية مجددا.
أراد الرئيس الأميركي أيضا، وكما يبدو، رمي الكرة المفخخة في ملعب أنقرة وموسكو، من خلال قرار التصعيد ضد النظام في دمشق، حيث كانت الاستعدادات التركية الروسية تتقدم نحو صيغة تفاهمات ثنائية متعددة الجوانب، ويبدو أنه نجح في ذلك. ها هو ترامب يحرّك وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ليطالب السلطات التركية بإعادة عفرين إلى سيطرة النظام السوري، بعد انتهاء عملية غصن الزيتون. وها هو يدفع المتحدث باسم الحكومة التركية، بكير بوزداغ، إلى الرد إن الجيش التركي لن ينسحب من منطقة عفرين، قبل التوصل إلى تسوية سياسية في البلاد، ثم يشجع الرئيس التركي نفسه، رجب أردوغان، للدخول على الخط “سنسلم عفرين إلى سكانها عندما يحين الأوان، ونحن من يحدّد هذا الوقت، وليس السيد لافروف”.
“ترامب الذي كان يتحدث عن اقتراب موعد سحب القوات الأميركية من سورية لم يبدل رأيه فقط، بل أمر بضربة عسكرية ضد مواقع للنظام”

وكان هجوم أردوغان على نظام الأسد في أعقاب مجازر الغوطة مؤشرا على أن تركيا ستبتعد عن الطرحين، الروسي والإيراني، حيال ما جرى هناك، وأن الاتصال الهاتفي الذي أجراه بوتين مع نظيره التركي لم يكن كافيا لإقناع أنقرة بتغيير موقفها حيال مجزرة الغوطة، لكن المنتصر هنا كان ترامب الذي فجر الخلافات التركية الروسية الإيرانية بعد أيام فقط على وضع استراتيجية التنسيق والتعاون لاقتسام الكعكة الأميركية في سورية.
انتزع ترامب أولا موقفا تركيا يتعارض تماما مع الموقفين، الروسي والإيراني، بشأن المجازر التي ارتكبها النظام في سورية ضد المدنيين في دوما، فالرئيس أردوغان يقول بشأن المجزرة الكيميائية التي نفذها نظام الأسد في دوما “اللعنة على مرتكبي مجزرة الغوطة الشرقية أيا كان المنفذون الذين سيدفعون الثمن باهظا”.
وقد ترك الرئيس الأميركي الثلاثي التركي والروسي والإيراني أمام امتحانٍ يصعب الخروج منه من دون أضرار بالغة بعد أن نفذ تهديداته ضد النظام، حيث رحبت أنقرة فيمارفضت روسيا وإيران وتصعّدان. وتمكّن ترامب أيضا من إشعال فتيل الخلافات المؤجلة بين أنقرة وموسكو بشأن مسار الأمور في تل رفعت وإدلب، ونجح في قطع الطريق على موضوع منبج، وإصرار أنقرة على تنفيذ عملية عسكرية هناك، من خلال تحويل الأنظار إلى مكان آخر في سورية. واستطاع إقناع أنقرة، من دون أن يحاورها، بأضرار محاولة قبول الطرح الروسي والإيراني تليين موقفها حيال الأسد، أو التفكير باللقاء معه في قمة طهران المرتقبة.
كان الحديث بعد الانتهاء من قمة أنقرة الثلاثية عن احتمال ولادة تحالف استراتيجي إقليمي جديد، تلتحق به الصين، ويسمى تحالف الشرق الجديد. ويبدو أن ترامب قد أفسد ترامب هذا، بالضربة المشتركة، مع لندن وباريس، ضد مواقع للأسد في مدن سورية، فهو يرفض أن يحاول بعضهم فرض الاصطفاف عليه في معسكر آخر “إمبريالي رجعي”، يعيد بلاده إلى ستينيات الحرب الباردة. وكانت موسكو وطهران تستعدان لقبض ثمن مواقفهما السياسية حيال عملية غصن الزيتون، فدخل ترامب على الخط، ليغير المعادلات، وينسف الشراكة الثلاثية قبل أن يكتمل عقدها. وذكّر أنقرة أن الفرصة السانحة التي تريدها حان وقتها، فهي التي كانت تطالب المجتمع الدولي والمنظمات الأممية بالتعامل بجدية مع مئات الوثائق والأدلة التي قدمتها بشأن استخدام النظام السوري الأسلحة المحرّمة ضد المدنيين.
قال ترامب إن واشنطن لن تقبل بتحالف إقليمي يظهر إلى العلن من دون موافقتها ورضاها، حتى لو كانت روسيا من تديره وتشرف عليه، ولن تسمح لأحد بفرض نفسه على خططها وحساباتها ومصالحها الإقليمية، فكيف ستقبل بذلك، عندما تكون إيران، هدف السياسة الأميركية الأول، اليوم جزءا من هذا الاصطفاف؟
أفسدت عملية استخدام السلاح الكيميائي في دوما التقارب التركي الروسي والحلم الإيراني في سورية، وتركت الجميع أمام اختبار المواجهة الجديد، ولم يفرّط ترامب بالفرصة التي قدمها له رأس النظام السوري على طبق من ذهب. وقد اقتنع الرئيس الأميركي لاحقا بخطورة ما سيقدم عليه في سورية بالانسحاب، وما أقنعه قد يكون خطورة ما تم التفاهم حوله في قمة أنقرة الثلاثية، وطريقة ملء الفراغ الذي سيخلفه انسحاب القوات الأميركية. لكن ما أقنعه أكثر تحرك الدول الثلاث لاقتسام الغنائم التي ستتركها واشنطن، وقرارها تأجيل خلافاتها وتضارب مصالحها في سورية، وتقديم مشروع التسوية الذي تريده، وترامب يراقب من بعيد.
وضع ترامب أنقرة أمام ورطة إضرام النار باللحاف بسبب بعوضة، وأجلس طهران أمام مأزق “إللي بيكبّر فشختو بيوقع”، وأفهم موسكو مرة أخرى أن “ألف دعوة ما مزّقت قميص، وألف زلغوطة ما جوّزت عريس”. وهو أمسك مجدّدا بدفة تسيير اللعبة في سورية التي كان يبحث عنها لقلب الطاولة هناك.