ربط مبدع بين حق العودة وذكرى يوم الأرض الفلسطيني، بما يُعيد تعريف جوهر الصراع مع دولة الاحتلال، ويُظهر “السردية الفلسطينية”، ويؤكد أن قضايا اللاجئين والعودة والأرض، والقدس خصوصاً، لا يمكن تأجيلها كما حدث في اتفاق أوسلو.

تشهد حدود غزة ونقاط تماسها مع دولة الاحتلال حراكاً شعبياً لافتاً، في تصعيده ورمزيته وقدرته الوطنية، تحت عنوان “مسيرة العودة الكبرى”، التي بدأت الجمعة 30 مارس/ آذار الماضي. وعلى الرغم من التهديدات الإسرائيلية باستهداف عمق غزة، فإن المسيرة حظيت برمزية كبيرة وتأييد شعبي حقيقي، ونجحت بالفعل في تحقيق عدد من الإنجازات:
أولها الربط المبدع بين حق العودة والذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض الفلسطيني، بما يُعيد تعريف جوهر الصراع مع دولة الاحتلال، ويُظهر “السردية الفلسطينية”، ويؤكد أن قضايا اللاجئين والعودة والأرض، والقدس خصوصاً، لا يمكن تأجيلها كما حدث في اتفاق أوسلو، وإنما لا بد من التمسك بالحقوق، في مواجهة “السردية الصهيونية”.
ثانيها توجيه ضربة شعبية إضافية لما تسمّى صفقة القرن، ذلك الحل الإسرائيلي/ الأميركي الذي تدعمه نظمٌ عربيةٌ سراً وجهراً، في تأكيد فلسطيني أن “هَبّة القدس” مستمرة، ضد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن مدينة السلام.
وربما تتضح قيمة “مسيرة العودة” عند مقارنتها بما يحدث في أغلب دول العالم العربي حالياً؛ فقد جاءت في لحظة “إحباط شعبي عربي”؛ إذ تعتقد الديكتاتوريات العربية المتحالفة مع المحور الأميركي/ الإسرائيلي أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من تجديد “شرعيتها الداخلية”، و”تلميع صورتها الخارجية”، سواء عبر “انتخاباتٍ” لا معنى لها (كما في حالة مصر)، أم عبر القيام بجولات خارجية طويلة، والإدلاء بتصريحاتٍ تؤكد “اعتدال” التوجّهات و”التوافق التام” مع أجندة واشنطن في الشرق الأوسط، (كما في حالة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان). ففي وقت هزيمة بديل التسوية مع إسرائيل، وانكشاف المستبدين العرب أمام المحور الأميركي/ الإسرائيلي، تأتي “مسيرة العودة” كاشفة عن إمكانات البديل الآخر، أي المقاومة الشاملة، بكل ما يتيسر من أدوات، مهما كانت بسيطة ورمزية.
“يذهب باحثون إلى إن “النموذج الانتفاضي” هو مفتاح فهم الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، منذ أواخر القرن التاسع عشر”

ثالثها إحياء مشهد يعيد صورة انتفاضة 1987، بأدواتها المميزة، من قذف الحجارة باليد أو “المقلاع”، وحرق الإطارات المستعملة، ورفع الأعلام الفلسطينية، والحشد الجماهيري في جنازات تشييع الشهداء، بما يؤدي إلى إفقاد الإسرائيليين صورة الضحية الدائمة منذ “الهولوكوست”، فها هي قوات الاحتلال تستهدف عبر قنّاصتها، بعنصرية مفرطة، متظاهرين مدنيين، لا يشكلون أي خطر عليها، فيسقط منهم أكثر من 26 شهيداً، و2500 جريح في أسبوعين.
وغني عن البيان، قوة نموذج انتفاضة 1987 وتداعياتها التي أدخلت ذلك المصطلح “Intifada” إلى القواميس والمعاجم ووسائل الإعلام الأجنبية؛ إذ يرى دارسو حلقات النضال الفلسطيني وتاريخه الممتد أن تلك الانتفاضة كانت من أفضل ما وصل إليه الفلسطينيون، تنظيمياً واجتماعياً وسياسياً؛ إذ برز دور “اللجان الشعبية” في تقديم قيادات شبابية ميدانية للانتفاضة، وفي تنظيم الإضرابات التجارية والعصيان المدني، وإطلاق النداءات الحركية والشعارات الانتفاضية.
ولئن كانت الدعاية الإسرائيلية المُغرضة سعت، ولا تزال، إلى اختزال الإنسان الفلسطيني/ العربي المقاوِم في صورة “الإرهابي أو المخرب”، فقد نجح الشباب المنتفضون آنذاك في دحضها عبر صك مصطلحات جديدة بديلة، مثل: “المناطق المحررة”، “والزراعة المقاومة”، ومصطلح “الانتفاضة” نفسه وليس الثورة؛ فالثورة انقطاعٌ، أما الانتفاضة فعودةٌ إلى ما سبق، واسترجاعٌ للهوية المسلوبة وإحياءٌ للسردية الفلسطينية.
بل يذهب باحثون مختصون إلى حدّ القول إن “النموذج الانتفاضي” هو مفتاح فهم الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، منذ أواخر القرن التاسع عشر. وذلك ردّاً على القائلين ب”عفوية الانتفاضات”، وأنها “تأتي في توقيتات مفاجئة وغير متوقعة”؛ إذ اعتدنا، معشر الفلسطينيين، كلما حدثت انتفاضة كبيرة، أو اندلعت هَبّة “محدودة”، أن يتبارى محلّلون في القول إنها جاءت عفوية ومفاجئة. والحقيقة أن حراك الشعوب ليس عفوياً ولا عشوائياً، بل تسبقه إعدادات وإرهاصات تعكس الحسَّ الوطني للشعوب ومخزونها النضالي، وخشيتها من تضييع حقوقها في الأرض والهوية والعيش الكريم.
ولكي تبلغ “مسيرة العودة” غاياتها النبيلة، ينبغي ضمان استمرارها وتحصين مسارها، من الانجراف نحو التوظيفات السياسية التكتيكية، والنجاح في التعامل مع ثلاثة تحديات.
أولها أن تُحسن القوى الفلسطينية إدارة هذه الفرصة وتعظيم مكاسبها، وربطها بالاحتجاج الشعبي والدبلوماسي ضد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نقل سفارة بلاده إلى القدس، بحيث يستند النضال الجماهيري إلى استراتيجية وطنية جديدة، تستبطن دخول شعب فلسطين، بأضلاعه الأربعة: غزة، الضفة الغربية والقدس، فلسطينيي 48، فلسطينيي الخارج، مرحلةً جديدة من “إدارة الصراع”، ضد الاحتلال الإسرائيلي.
ثانيها عدم التعويل الفلسطيني على “الدعم العربي الرسمي”، في ظل استعلاء “الموجة الثانية من الثورات المضادة”، التي تكاد تطوي عاماً كاملاً، بدعم قوي من الرئيس ترامب سياسات الثنائي السعودي – الإماراتي في حصار قطر ومحاربة قوى التغيير في العالم العربي؛ فمن يقمع شعبه لن يناصر حرية الشعب الفلسطيني، ولا “حق العودة” قطعاً.
إن أحداً لا يعوّل على “تأييد مجلس الجامعة العربية في 3 أبريل/ نيسان الجاري، طلب فلسطين اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق في الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين المشاركين في تظاهرات يوم الأرض، والتلويح باللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لمطالبتها بحماية الشعب الفلسطيني، في حال استمر فشل مجلس الأمن تجاه القضية”، فالساسة

“ليس مبالغة القول إن “مسيرة العودة” تشكّل نقلةً موضوعية في مسار النضال الفلسطيني”

العرب ليسوا جادين في محاسبة إسرائيل عن جرائمها، أو عزلها ومقاطعتها على الصعيدين، الدولي أو الإقليمي، بل هم يريدون التطبيع معها وخطب ودّها، بعد أن أصبحت جامعة العرب سقيمة، تلهث خلف سراب تسويةٍ لا يقبلها حتى أشد ساسة إسرائيل “حمائمية” .
ثالثها أن تُطوّر الدبلوماسية الفلسطينية أداءها، عبر دعم مطالب شعبها، وحسم توجّهها بالاعتماد على الذات؛ فقضية فلسطين تقتضي رصَّ الصف الداخلي أولاً، وتوفير عوامل صمود الشعب على أرضه، قبل الرهان على تغير البيئة الخارجية الذي لا يأتي عادةً إلا في مراحل متأخرة، بعد وضوح نتائج المقاومة ومستقبل الصراع برمته.
لا مانع طبعاً من ذهاب السلطة الفلسطينية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان ومحكمة الجنايات الدولية، وغيرها من المؤسسات، بشرطين؛ أحدهما إدراك أن حركة الجماهير على الأرض هي الأساس، ولذا ينبغي الحفاظ عليها وتعزيزها، وعدم المساومة عليها بأي حال. والآخر أن يكون التحرّك الدبلوماسي ضمن استراتيجية وطنية جديدة وشاملة، على أن يسبقها حوارٌ وطني بين كل أطياف الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والمجتمعية، مع نبذ المحاصصات والإقصاء السياسي والانفراد في اتخاذ القرارات، وكلها، للأسف، من آفات العمل الفلسطيني.
وعلى الرغم من هذه التحديات، ليس مبالغة القول إن “مسيرة العودة” تشكّل نقلةً موضوعية في مسار النضال الفلسطيني، وقد تعيد إحياء صورة انتفاضة 1987، شريطة أن يتماسك الداخل الفلسطيني أمام التحديات القادمة.