منذ 1 دقيقة، 25 يناير,2016

تابعت الأيام الماضية الدعوات تتكاثر بسرعة البرق للنزول في الخامس والعشرين من يناير من العام الجاري، وإلى هذا الحد كان الأمر معتادًا لي فالبعض من حين لآخر قد يفيض به الكيل ويطالب بالتظاهرات والتعبير عن الرأي، ولكن ما تعجبت منه حقًا وكان لي بمثابة علامة استفهام كبيرة هو أن النظام كأنه يريد الحشد لهذه التظاهرات، ومنذ متى والنظام يقوم بعمليات استفزاز ممنهجة مع اقتراب ثورة ضده وإن كان يشعر بعظمها ألم يكن من الأفضل أن يواجهها حتى لا تطيح به، إن الأمر حقًا يثير الدهشة ولعل من تابع الأيام الماضية تصريحات النظام الحاكم وقراراته، سيعلم تمام العلم بما لا يدع مجالًا للشك أن النظام لا ينقصه سوى أن يدعو لهذه التظاهرات.

عند هذا الحد بدأت أبحث في الثورات السابقة وبالطبع برزت أمامي الثورة الرومانية على نظام تشاوتشيسكو والتي نسير على نهجها بخطى ثابتة مع بالغ الأسف، ولمن لا يعلمها قامت هذه الثورة عام 1989 على طاغية يدعى تشاوتشيسكو ما يعادل مبارك في مصر وكان أهم اسبابها الدولة البولسية والفقر وانقطاع الكهرباء واستئثار الإعلام له ولزوجته.

وتصاعدت أعمال العنف في هذه الثورة والتي كانت مدتها أسبوعًا وانتهت بنزول الجيش والتفاف الشعب حوله حتى تم الإطاحة بالحاكم وإعدامه هو وزوجته بجانب وفاة 1104 أشخاص منهم 162 أثناء التظاهرات والباقي أثناء محاولة الاستيلاء على الحكم، وظهر ما يدعى بجبهة الخلاص الوطني والتي تترجم أيضًا إلى جبهة الإنقاذ الوطني والتي كانت تتكون من رجال الصف الثاني من النظام البائد برئاسة أيون إليسيكو، وبدأ بعقد صفقات مع جنرالات الجيش ثم بدأ بالسيطرة على الإعلام وسعى لتحجيم الثورة والتنكيل بمعارضيه واتهامهم بالعمالة للخارج وتلقي التمويل من الجهات الخارجية، وحصولهم على الأجندات الأجنبية، وأعلنت الجبهة عدم نيتها خوض الانتخابات عام 1990، ولكنها مع اقتراب الانتخابات أنشأت حزبًا سياسيًا وقامت بتعبئة الناخبين من شبكة الحزب الحاكم القديمة في الريف.

وفي النهاية فاز أيون إليسيكو بالرئاسة بأغلبية الأصوات بعد ثلاث سنوات من قيام الثورة، مما أغضب الشباب المثقف والذين يدافعون عن الثورة، وما إن قرروا الخروج حتى تم ضربهم ليس بأيدي الشرطة أو النظام ولكن بأيدي عمال المناجم (البسطاء) أي أنه تم قتل ثورتهم بأيدي من يدافعون عن حقوقهم، بعد حرب إعلامية واتهامات وادعاء النظام بأنه الوحيد القادر على إيصال البلاد لبر الأمان.

ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه الأنظمة الديكتاتورية ببعضها البعض حتى وإن اختلفت بضعة تفاصيل صغيرة، إلا أن الأمر يعد متشابهًا لحد كبير، ولكننا مع الأسف ننجرف خلف المشاعر الحماسية وننسى إعمال العقل، ودائمًا ما نصغي للصوت الأعلى وليس للصوت الأعقل. أرجوكم لا تكونوا حمقى مرتين فإننا نسير على نفس الخطى بثبات، ولم يبق لنا سوى مشهد النهاية ويسدل الستار إلى الأبد على أحلام جيل كامل قد أجهض حقه في الحياة، فلتتركوا البسطاء هذه المرة ليقرروا فإن أرادوا الخروج سنتبعهم ونسير على خطاهم وإن كانوا بحاجة لمزيد من الغضب فالنظام الحالي يفعل ذلك بكل اقتدار ويؤجج مشاعر الغضب بداخلهم، فلتتركوا النظام للبسطاء ولتعكفوا أنتم على خلق بدائل حتى لا ينتهي بنا الأمر إلى حلقة مفرغة ما بين الثيوقراطية والديكتاتورية. انتبهوا أيها السادة حتى لا نقع في الفخ مرتين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست