في نهار شتوي قارص البرودة، استيقظت شيماء الصباغ مشغولة التفكير في اختيار ألوان باقات الورد، وتنظيم مسيرة تحيي ذكرى شهداء خرج عطرهم من بستان ثورة يناير.

في ذلك الوقت كان ابنها “بلال”  له النصيب الأكبر من نسبة تفكيرها، كانت تفكر بأي شيء ستهادي البالغ من العمر 6 أعوام، حينما تعود إلى الإسكندرية بعد إنجاز واجب التحية والإجلال لمن سبقوها في الشهادة؟!

ابنة الغيط الصعيدي البسيطة الجريئة السياسية الشاعرة، التي عملت على توثيق التراث المصري واستعمال أمثاله الشعبية في كلامها، عاشت تنكر ذاتها ولا تطمع في شيء لها وحدها، لم تشعر يومًا ما بعناء البحث عن “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية” لإيمانها التام بالنضال والحرية ونصرة الفكر العمالي وقضاياه.

“البلد دي بقت بتوجع ومفيهاش دفا.. يارب يكون ترابها براح وحضن أرضها أوسع من السماء”. تلك هي أواخر تدويناتها على “فيس بوك”، كأنها ترثي وتقدم واجب العزاء لنفسها قبل تقديمه لشهداء في ذكراهم الرابعة، في محاولة إيجاد الدفء بالقرب من ميدان التف حوله الجميع في أجواء قطبية، قبل أن تفرقهم يد البطش.

كانت تشعر بالرضا، راسمة ابتسامة التفاؤل على وجهها، تغرد بين أصدقائها بكلمات الصبر، تسير بخطوات الأمل لأنها ستكرم الشهداء “بمسيرة صامتة” ولم تكن تعلم أنها الخطوات الأخيرة في حياتها، وأن دماءها هي التي ستجري على الأرض بدلًا من قدميها، في وقت قرر فيه أحد الضباط أن تكون هذه اللحظة الأخيرة في عمرها.

بالقرب من ميدان طلعت حرب انتظم الجميع ممسكًا بأكاليل الزهور، في وقفة كسر صمتها نباح جنود ترمق الجميع بنظرات فطرية من الغل والكره والغدر، صفوف عسكرية تحاصرهم وتخرج أصوات تشبه نعيق البوم، لم يكن في وسعهم إلا الصمود وتحقيق ما اصطفوا لأجله.

وفي لحظة توقفت فيها عقارب ساعات الرحمة والنخوة، وتحول النهار إلى عتمة من البطش والقمع، قُطفت وردة ذكية من بستان الإنسانية بفعل “طلقة خرطوش” عطّرت أرض بلادها بدمائها النقية، ليُضاف اسم جديد إلى السجلات العامرة بشهدائنا، الذين راحوا ضحية أنظمة لا مثيل لها في تدوين أعنف وأبشع قصص الرعب: في السجون، والأقسام، والقتل في الميادين باسم الأمن القومي وأمن الدولة.

ليخرج علينا فيما بعد تقرير ساذج من مصلحة الطب الشرعي، يفيد بأن الخرطوش الذي أصاب شيماء الصباغ، لا يؤدي للموت لبعد المسافة أكثر من ثمانية أمتار، ولكن توفيت لأنها نحيفة أكثر من اللزوم، فاستطاع الخرطوش اختراق جسدها بسهولة، وتمركز في القلب والرئة، واعتبروا أن هذه حالة نادرة جدًا، ليعاقب المُدان بقتلها بالسجن 15 سنة فقط!

ستبقي شيماء نارًا مقدسة تضيء للثوار طريق الكرامة والعدل، وسوف تلاحق دماؤها الغالية رقاب قاتليها، ستبقى صورة تملأ الخيال، دون أدنى احتمال، وبكل تأكيد ولا جدال شهيدة ماتت موتة رجال.

سيأتي يوم وتُعلّق فيه رقاب جميع من ظلموا في أحبال المشانق، وتكون نهايتهم من جنس عملهم القمعي الاستبدادي الظالم، أما نحن.. فكفانا صراخًا وعويلاً.. وهلموا إلي سرادق العزاء نقيمها.. ليس من أجل شهدائنا.. بل لكرامتنا وحريتنا التي دُفنت بأيدينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست