روسيا ربما منعت نظامًا صار في مزبلة التاريخ من السقوط، ولكن هل هذه سياسة أم خزعبلات لا تلجأ إليها سوى الدول التي لا تعرف حقيقة ما تستطيع تحقيقه وحقيقة ما لا تستطيع تحقيقه؟ وهل هي أزمة روسية في سوريا؟

بعد سنتين ونصف على التدخل الروسي المباشر في الحرب على الشعب السوري، وهذا التدخل أدى الى عدم سقوط النظام حتى الآن، وسقوط الساحل التي أصبحت القاعدة الأساسية لروسية، وفي وقت كانت دمشق العاصمة مهددة بدورها بالسقوط، حينما كانت مدينة حلب في معظمها خارج سيطرة النظام، باختصار شديد: حالت روسيا بفضل سلاحها الجوي دون سقوط النظام الاستبدادي القمعي الذي قتل مئات الآلاف من الشعب وشرد الملايين واعتقل واغتصب، إن التدخل الروسي جاء بطلب الملالي في إيران نتيجة مصالح مشتركة بين البلدين.

لا مفر من الاعتراف بأن التدخل العسكري الروسي المباشر الذي شمل إرسال طائرات لقصف المدن السورية، مع تركيز خاص على المدارس والأسواق والمشافي، أنقذ النظام من السقوط العلني في وقت لم تكن هناك سياسة أمريكية واضحة، باستثناء عمل على ملف واحد، وهو عدم إغضاب ملالي إيران؛ لأن  الملف النووي الإيراني كان محورًا أساسيًا للسياسة الأمريكية في السنوات الأربع الأخيرة من عهد باراك أوباما.

وبسبب السياسة الأمريكية في عهد أوباما في الشرق الأوسط، استغل بوتين، بذكاء شديد كل الثغرات التي وجدت أمامه وذلك كي يثبت أن روسيا ما زالت تمتلك موطئ قدم في الشرق الأوسط، وعرف بوتين كيف يستفيد من تردد إدارة أوباما وحال الانكفاء التي ميزت إدارة الرئيس الأسود للولايات المتحدة الأمريكية، وكان هم روسيا محصورًا في إثبات أنها ما زالت قوة عظمى، ونجحت في ذلك لبعض الوقت فقط، لكن ما تبين مع تطور الأحداث هو أن رهانها على أوباما وإدارته ما لبث أن ارتد عليها، مع العلم أن إدارة بوتين استطاعت إقامة تحالفات جديدة وكثيرة في المنطقة، بما في ذلك مع تركيا العضوة في حلف الناتو، وعرفت روسيا كيف تلعب بالورقة التركية.

ولكن مع الإدارة الجديدة في أمريكا، انتقلت روسيا من طرف قوي قادر على أخذ المبادرة في سوريا إلى طرف عليه تجميع أكبر عدد من الأوراق لإقناع إدارة ترامب بالدّخول في صفقة معه، وخاصة أن روسيا تستفيد من وقت البدل الضائع لإدارة ترامب التي تحاول رسم السياسة الواضحة للمنطقة بما فيها سوريا، وذلك لأن ملامح السّياسة الخارجية الأمريكية  تظهر تدريجيًّا، وخاصة بعد التغيرات الأخيرة وتعيين أشخاص متشددين تجاه الملف الإيراني، وهذا يظهر جليًا أن الوقت لا يعمل لصالح الروسي الإيراني، وخاصة أن اللعبة التي دخلت فيها روسيا في سوريا ليست قادرة للذهاب الى النهاية، لا لشيء، وإنما بسبب عدم امتلاكها اقتصادًا قويًا يسمح لها بذلك.

وربما روسيا على عتبة عقوبات اقتصادية كبيرة، وربما تجد نفسها خارج النظام المصرفي العالمي الذي تتحكم به أمريكا؛ لأن أمريكا تستطيع أن تنتظر وتستفيد بأكبر قدر اقتصاديا من الفوضى الخلاقة التي حصلت في الشرق الأوسط، وليس همها إذا بقيت سوريا موحدة أم تفتت، وكذلك الأمر بالنسبة لإسرائيل فإنها الدولة التي تشاهد وتفرح بالتورط الروسي والإيراني في سوريا، وزادت فرحتها أكثر بالتورط التركي؛ لأنه ليس لدى إسرائيل أي قلق في هذا الشّأن ما دامت روسيا مستعدة كل يوم لإرضائها حرصًا على إبقائها جسرًا من جسور التواصل مع إدارة ترامب الأمريكية.

والسؤال الذي يطرح نفسه : ماذا يجري لروسيا؟ هل قد يكون هذا نهاية الحلم الروسي بأن تعيد أمجاد الإمبراطورية القيصرية؟ وكما يرى الخبير الروسي كيريل كوكتيش، أستاذ العلاقات الدولية، أن احتمال تنامي النزاع والتورط فيه موجودة دومًا وفي أي نزاع، لافتًا الى أن روسيا قد تمكنت حتى الآن من تفادي التورط بالمعنى المتعارف عليه، لكنه عاد وقال: إن ذلك أمر غير مستبعد بحال طال أمد النزاع وكثرت التعقيدات فيه.

وماذا يجري لإيران؟ وهل هناك سياسة أمريكية للقضاء على أذرع الملالي في المنطقة من حزب الله اللبناني والنظام السوري والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن، ومن ثم الضربة على ملالي إيران؟ وما الذي قد يجري في تركيا بعد تدخلها في سوريا؟

الثابت أن كل المتورطين في الصّراع السوري في حيرة من أمرهم، باستثناء أمريكا التي لا تمتلك القدرة على الانتظار فحسب، وإنما ترسم خريطة جديدة للمنطقة، وتكون هي سيدة الموقف، وتبقى كل الثروات في المنطقة تحت سيطرتها.

وبدأت بوادر العقوبات على روسيا  حتى قبل التصديق من الكونغرس الأمريكي على تعيين وزير الخارجية الأمريكية المتشدد تجاه روسيا وإيران، وذلك من خلال طرد الدبلوماسيين الروس، والمعروف أن الأزمة الدبلوماسية هي الأكثر خطورة بين روسيا والغرب.