هذا هو الجزء الثالث من سلسة مقالاتي عن الزعيم السوفيتي «نيكيتا سيرجيفيتش خروشوف». كنت في الجزء الأول عرضت كيف صعد «خروشوف» إلى قمة السلطة في الإمبراطورية السوفيتية، وكيف استطاع أن يُعطي وجهًا أكثر إشراقًا للتجربة الشيوعية، بعد عتمة حكم رجلها الحديدي «جوزيف ستالين»، وفي الجزء الثاني تحدثت عن علاقة «خروشوف» بحركة القومية العربية وقتها، وبالزعيم المصري «جمال عبد الناصر» وكيف توترت بعد اعتلاء «عبد الكريم قاسم» السلطة في العراق، واليوم أُكمل القصة.

(1)

«إذن لنشاهد الدبلوماسي العار»! خروشوف لجروميكو

رأى «خروشوف» بعد أن اِنهار أمامه نظام «عبد الكريم قاسم» في العراق، والذي توهمه قادرًا على الوقوف ضد «عبد الناصر» في القاهرة، وكذلك فشلت سياسته في الاعتماد على الأحزاب الشيوعية العربية، وبعد سلسلة أحداث من الصدمات، فرضت على القيادة السوفيتية أن تبحث في أسباب الفشل، وعقد الحزب الشيوعي الروسي اجتماعًا في مايو (أيار) 1962، ناقش بعُمق قضية الوحدة العربية، ودارت نقاشات معمقة شارك فيها كثير من العقائديين، والساسة في الحزب. وقد انتهوا لإقرار ورقة، أعدها خبير الحزب المتخصص، في قضايا التحرر الوطني، وهو «أوليانوفسكي»، وكانت النتيجة التي توصل إليها في ورقته:

إن هناك بالفعل أمة عربية واحدة فى طريقها إلى
التكوين، وأنه قد يكون من صالح الاتحاد السوفيتي، أن يتعامل مع مشروع هذه الأمة
ككل، ومن مركز رئيسي واحد هو «القاهرة»، وذهب «أوليانوفسكي» في ورقته إلى أن
الرئيس الأمريكي «كينيدي» نفسه يتّبع هذا الخط مع «جمال عبد الناصر»، بينما
الاتحاد السوفيتي مشتبك مع هذا «الزعيم البارز للعالم العربي» في معارك سياسية وإعلامية؛
بسبب أحزاب شيوعية ضعيفة وهامشية.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏8‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏‏أشخاص يجلسون‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏‏

وقرر «خروشوف» بناء على توصية الحزب الشيوعي السوفيتي، أن يُحاول فتح صفحة جديدة مع قائد حركة القومية العربية، الزعيم «جمال عبد الناصر»، واستجابت القاهرة مع مسعى «خروشوف»، وكانت زيارة «خروشوف» للقاهرة في رحلة بحرية بدأها من ميناء يالطا في الاتحاد السوفيتي، لتنتهي في مصر.

ولعل المواقف التي حدثت على ظهر الباخرة «أرمينيا» التي استقلها «خروشوف» أثناء الرحلة، تعطي صورة عن ذلك الشخص؛ فقد كان «خروشوف» يهوى الفكاهة، وأحيانًا تكون فكاهته لاذعة، كأنها السهام تنطلق في كل اتجاه.

على الباخرة في يالطا، جاء إليه يودعه «شيلست» سكرتير اللجنة المركزية للحزب في أوكرانيا، وراح «شيلست» يقول لـ«خروشوف»:

«نيكيتا سرجيفيتش، سافر مطمئنًا، كل شيء في أوكرانيا كما تريد، إنتاج القمح يزيد، إنتاج الذرة يتضاعف».

ومضى «شيلست» يعد أرقامًا مطمئنة، وإذا «خروشوف» ينتظره حتى يفرغ ثم يقول له:

أيها الرفيق «شيلست» هل تظنني ذاهبًا إلى غير عودة، تذكر أنني سأعود»!

وفي موقف آخر، جاؤوا له بقائمة الأفلام التي تحملها الباخرة ليختار منها واحدًا يشهد عرضه.

وكان «أليكسي أدجوبي» (رئيس تحرير جريدة أزفستيا) يقرأ عناوين الأفلام، و«خروشوف» لا يعجبه واحدًا منها، بعضها رآه من قبل، وبعضها لا يغريه عنوانه، وطلب من «أليكسي» أن يعيد قراءة القائمة، ثم توقف عند أحدها، واسمه «الدبلوماسي العاري» وقال ضاحكًا: «جروميكو» (وزير الخارجية السوفيتي)، مجاملة لك سوف نرى «الدبلوماسي العاري»، والتفت إلى الماريشال «جريشكو» (وزير الدفاع السوفيتي) يقول:

«وأنت من حظك أنه ليس هناك فيلم اسمه الماريشال العاري».

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏2‏ شخصان‏

خروشوف وجروميكو (الدبلوماسي العاري!)

(2)

إن الشيوعيين العرب اختاروا العمل تحت الأرض،
وسوف يبقون في المكان الذي اختاروه لأنفسهم» جمال عبد الناصر لخروشوف.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏‏‏أشخاص يقفون‏، و‏بدلة‏‏ و‏زفاف‏‏‏‏‏

وعندما وصل «خروشوف» اُستُقبِل استقبالًا حاشدًا، وعلى ظهر الباخرة الحرية التي انتقل إليها الجميع من أسوان إلى شاطئ البحر الأحمر ليوم نزهة بحرية. كان «خروشوف» معبأ ضد الرئيس العراقي «عبد السلام عارف»، وزاد من حدة مشاعره أنه قرأ عن تنفيذ أحكام بالإعدام في بعض الشيوعيين في بغداد، قبل يومين اثنين.

وهكذا فإنه عندما صعد إلى ظهر الباخرة الحرية الراسية في ميناء «برنيس»، ووجد «جمال عبد الناصر»، والرئيس الجزائري «أحمد بن بيلا»، والرئيس العراقي «عبد السلام عارف» في انتظاره على ظهرها، وقام «خروشوف» بمصافحة «جمال عبد الناصر»، و«ابن بيلا»، إلا أن «خروشوف» سحب يده من يد «عبد السلام عارف» قائلًا له: «إنه لا يستطيع أن يصافح الأيدي الملوثة بدماء الشيوعيين في العراق».

وتوتر الجو إلى درجة خطيرة، وتدخل «جمال عبد الناصر»، وطلب إلى «خروشوف» أن يمد يده إلى «عبد السلام عارف»، ثم يجلس لمناقشة الأمر في هدوء. وأحس «خروشوف» أن الموقف يمكن أن يتطور إلى حد لا يريده أحد، فمد يده لمصافحة «عبد السلام عارف»، وقال إنه يريد أن يسمع منه.

وهنا صاح «ابن بيلا» يقول لـ«خروشوف»: بل ستسمع مني أولًا.

ثم بدأ «ابن بيلا» يشرح التناقضات التي لا بد من الاعتراف بها بين عقائد العرب، وجوهرها الإسلام، وبين العقائد المادية للفكر الماركسي. ثم تطرق من ذلك إلى الحديث عن دور التنظيمات الشيوعية، في العالم العربي مركزًا على دور الحزب الشيوعي في الجزائر، وكيف أنه اعتبر نفسه امتدادًا للحزب الشيوعي الفرنسي، ولم يقم بأي جهد في النضال التحرري الجزائري، بل إن العكس مع الأسف كان هو الصحيح.

وتدخل عبد الناصر في الحوار قائلًا: «إنه من المستحسن معرفة أنه بين القوميين العرب، وبين الشيوعيين خلافًا، يحسن بالأطراف جميعًا أن يسلموا بوجوده، وأن يتعلموا كيف يتعاملون مع بعضهم من خلال التسليم بحقائقه، فالإسلام هو الجوهر الحضاري للقومية العربية، والإسلام دين سماوي، والمؤمنون به ليسوا مستعدين للمساومة فيه سياسيًّا، مهما كان الثمن».

ثم راح عبد الناصر يعد أسباب التناقض واحدًا بعد واحد منتهيًا بأنه لا مستقبل للشيوعية في العالم العربي، وأن هذا لا يقلل من التوجهات التقدمية، لحركة القومية العربية.

ثم استعرض «عبد الناصر» تصرفات الأحزاب الشيوعية العربية، في مختلف بلاد العالم العربي، واحدة بعد واحدة بادئًا من مصر، إلى سوريا، إلى العراق.

ثم أضاف ناصر: «أنهم فقدوا أي مصداقية، يمكن أن تكون لهم، وأن الاتحاد السوفيتي يخطئ كثيرًا، إذا ربط سياسته في العالم العربي بالأحزاب الشيوعية».

واختتم حديثه قائلًا: «إنكم تستطيعون اعتبارهم أصدقاء عقائديين لكم، تدعونهم إلى احتفالات أول مايو، أو احتفالات ثورة أكتوبر، فهذا حقكم لا ننازعكم فيه، أما هنا في العالم العربي، فإنهم اختاروا العمل تحت الأرض، وسوف يُبقون في المكان الذي اختاروه لأنفسهم».

ويروي الأستاذ «محمد حسنين هيكل» أنه بعد أن نشر مقالًا عن «خروشوف» أثناء زيارته وصفه فيها بـ«فلاح يطل برأسه من إحدى قصص دوستويفسكي»، دعاه خروشوف للقائه ليعاتبه.

وقال هيكل لـ«خروشوف»: «لقد سمعتك تصف نفسك بهذا الوصف».

ورد «خروشوف»:

«لا أعاتبك لأنك قلت أنني فلاح، وإنما أعاتبك لأنك قلت أنني فلاح
من قصص «دوستويفسكي»، لماذا لم تجدني فلاحًا من قصص «تولستوي»؟، فلاح «دوستويفسكي»
خبيث وشخصيته معقدة، وأما فلاح «تولستوي» فطيب وشخصيته بسيطة».

لقد انتهت الآن السطور المخصصة لذلك المقال، لكن لم تنتهِ بعد قصة الرفيق «نيكيتا سيرجيفيتش خروشوف»، والتي سنتابعها في الجزء القادم لنتعرف على:

أسرار الانقلاب على خروشوف؟

وكيف ساهم الخلاف الصيني الروسي في الانقلاب؟