يبدأ الغرق في الأحجية السورية من مرحلة ما بعد التوصيف الأولي الذي يعرفه العالم كله، لقد طلب السوريون حريتهم، ومضوا صوبها، لكن الدوائر المغلقة المعقدة المغرقة لم تفتح، بل زادت عليهم إغلاقاً وتعقيداً وإغراقاً، فباتوا، أشبه بالبدو الرّحل.

تعترف إسرائيل رسمياً بأنها قصفت مفاعل الكبر السوري في دير الزور عام 2007، ويتحول الأمر إلى خبر عاجل، وبينما يبحث المرء عن أي مكان سوريٍ غير مقصوف، يمسي المشهد كوميدياً، لا غرابة في أن يتم تناوله من باب تزجية الوقت، والترفيه عن النفس.
باتت محاولات حل الأحجية السورية شائعة بين طالبي التسلية، لا لأنها معقدة، أو مبهمة كطلاسم المغاور التي يتم اكتشافها بين حين وآخر في مجاهل العالم، بل لأن البداية فيها واضحة، والنهاية فيها أوضح من بدايتها، واللعبة والإثارة إنما تقومان في الطريق بينهما. فهناك فاعل يريد أن يحصل على غرض يطلبه، وهناك عناصر ملهمة له، هي قيم العالم المتحضر في بدايات الألفية الجديدة، وهناك قوى مساعدة! وفي المقابل، ثمة مناعة لدى الغرض، بسبب أن من يحوز عليه حالياً سيحاول الدفاع عنه، مستعيناً بقوى تدعمه!
هل هناك أوضح من هذه السردية البسيطة؟ تقوم كل الحكايات الشعبية في العالم على هذه الترسيمة، وكذلك فإن الأحجيات تتبعها في تكوينها، فيصبح البحث عن الحل هو تتبع مسار الفاعلين والمستفيدين مع الداعمين والمعارضين. وتبعاً لهذا، يبدأ الغرق في الأحجية السورية من مرحلة ما بعد التوصيف الأولي الذي يعرفه العالم كله، لقد طلب السوريون حريتهم، ومضوا صوبها، لكن الدوائر المغلقة المعقدة المغرقة لم تفتح، بل زادت عليهم إغلاقاً وتعقيداً وإغراقاً، فباتوا، بعد سبع سنوات من ثورتهم، أشبه بالبدو الرحل، الضائعين في المتاهة الرملية، يستنزفهم الطريق، ويتشذرون، مع مرور الوقت، فيصبحون كتلة مفككة هائمة ومبعثرة!
محاولات حل الأحجية لا تبدأ فقط من الإقرار بمشروعية وعدالة مطالب الشعب السوري برحيل نظام الأسد الديكتاتوري القاتل، بل إنها تتوالد بكثافة ملفتة، حينما تصبح هذه المطالب معترفاً بها من العالم كله، وحتى تلك القوى والدول التي تدعم النظام، فإنها تفعل ذلك، وهي نظرياً تقر للسوريين الثائرين بعدالة مطالبهم بالتغيير، وتداول السلطة، والحريات، وغير ذلك من عبارات عمومية، لكنها في المقابل، تعيد إنتاج الحلول وفق نسخ معقدة، وغير قابلة للفهم، فبدلاً من أن تتم مساعدة السوريين على نيل المطالب واستخلاصها من يد النظام الذي ربط وجوده بها، يتم تحويل الجهد كله صوب دعمه، وإضعاف السوريين وتدميرهم بالمقابل.
“الإبقاء على الأسد ونظامه كان استراتيجية واضحة اعترف بها مسؤولو تل أبيب غير مرة”

إسرائيل التي تعترف اليوم بأنها قصفت مفاعلاً نووياً سورياً لم يعرف السوريين بوجوده أصلاً، وبأن النظام الذي يحكمهم يقوم بتطويره، إلا بعد أن قامت هي بفعلتها، تشارك اليوم في الأحجية السورية، فتكشف حصتها من ورق “الكوتشينة” على الطاولة، مثل غيرها من اللاعبين، فهي تريد للنظام أن يبقى على قيد الحياة، ولكن على طريقتها ومذهبها؛ عميلٌ ذليلٌ يحرس حدودها من المجانين الذين مازالت تعيش في رؤوسهم أحلام العصور البائدة عن العدالة وإعادة الحقوق المسلوبة لأصحابها!
ولكن لماذا يعترف الإسرائيليون الآن بما فعلوه قبل 11 سنة، على الرغم من أن العالم كله كان يعرف منذ البداية أنهم هم الفاعلون؟ هل لأنهم كانوا خائفين من رد النظام المقصوف؟ أم لأنهم كانوا مرتعدين من الإحالة إلى محكمة العدل الدولية؟ أم لشعورهم بالندم؟ حكماً الإجابة لا هذا ولا ذاك ولا ذاك، الإجابة أنهم يقولون للنظام الذي ما زال يدّعي أنه عدوهم، ويبني أسطورته البلهاء أمام مؤيديه السوريين والعرب من هذا الادعاء؛ إنه وعلى الرغم من كل انتصاراته على شعبه، ليس سوى إمعة، تم دهسه في السابق في عام 2007، ويمكن أن يتم ذلك مراراً وتكراراً، طالما أن مصيره وأمره بين أيديهم.
لا يمكن لتحليل ورق اللعب الإسرائيلي، بأي حال، أن يوصف الدور الإسرائيلي بغير المؤديات التي ينتهي إليها، فالإبقاء على الأسد ونظامه كان استراتيجية واضحة اعترف بها مسؤولو تل أبيب غير مرة، والتحذير من خطورة التحول الديموقراطي في سورية، وفي دول المنطقة، كان وما زال أمراً رائجاً في دهاليز السياسة الإسرائيلية، طالما أن عدوانية الدولة الصهيونية وتسلطيتها، تبقى وتزداد، من خلال وجود أنظمة مسخ، تدّعي ممانعتها، وتهديدها للديموقراطية الإسرائيلية، من مثل نظام الأسد.
وهكذا يتم الكشف عن جزء من الورق، ليكتشف المتفرج الجالس على طرف طاولة اللاعبين أن دور إسرائيل يتماهى مع دور نظام الأسد ذاته، ولعل قراءة حركية تبادل الأدوار توضح كيف أن ثورة تريد إطاحة نظام مستبد لن تحصل مطلقاً على دعم أهم المستفيدين من وجوده، لا بل إن العداء لهذه الثورة سيأتي من هذا المستفيد الأكبر، ومن المستفيدين الآخرين الذين يتعيشون على هامش هذه العلاقة بين الديكتاتوريات والدول “الديموقراطية” التي تنتهك حقوق الشعوب وتسلبها.