يبقى المستشار طارق البشري صاحب الـ 85 ربيعا، وسيظل منارة سامقة في حياة مصر المعاصرة، وقد علمنا أساتذتنا أن نحافظ على ما يضئ بيننا. لذا، يبقى الدفاع عن رجلٍ بهذه القيمة المعرفية والتاريخية واجباً على كل صاحب عقل وضمير.

“وقع الإخوان فى أخطاء، خاصة بعدما وصلوا إلى الحكم، ورأينا فصائل من التيار العلمانى تتربص بهم، وترفضهم من الأساس، واستغلت قوى الدولة الاستبدادية كل هذه العوامل، لإنهاء التجربة الديمقراطية القصيرة لهذه الثورة؛ ليعود الاستبداد كأشد ما يكون، ولا تستطيع تبرئة أحد مما جرى، الإخوان لم يقدروا الظروف السياسية؛ خاصة وأن هناك من عمل على إفشالهم والقوى المدنية تحالفت مع الاستبداد للإطاحة بالإخوان”.

ما سبق جزء من رؤية المستشار طارق البشري، القاضي النزيه والمؤرخ السياسي والفقيه الدستوري، والشاهد الواعي على تاريخ مصر المعاصرة، منذ خمسينيات القرن الماضي، وهي رؤية تتسم بالتجرد والموضوعية والعقلانية، كما ترى.

ولأننا في مرحلةٍ مشبعةٍ بأتربة الاستقطاب والعمى السياسي، فقد انعدمت الرؤية، وتوارى العقل، وانتعشت رغبات القنص والافتراس وغرس الأظافر والمخالب في لحم الحقيقة، ومن تسوّل لهم أنفسهم الانحياز لما يرونه حقاً وصواباً. ومن هنا، وجدنا البشري بمواجهة حملات من التشهير والتخوين وقلة الأدب أحياناً، فور أن أدلى برأيه في الأزمة التي تعصف بمصر الآن، عبر حوار مع صحيفة مصرية.

لم يقل البشري أكثر مما يقوله عقلاء “الإخوان المسلمين” عن أنفسهم، من أنهم تنظيم دعوي بالأساس، ويفتقدون إلى الخبرة السياسية، ومع ذلك انطلقت مجموعات النهش والخمش تسيء إلى الرجل، وتتهمه بما لا يليق برجلٍ، هو بكل المعايير، في طليعة قائمة آخر السياسيين والقانونيبن المحترمين في مصر.

في منتصف مايو/ أيار 2013، وقبل أسابيع من جريمة الانقلاب العسكري، شرّفت بمشاركة المستشار البشري الحديث لجمهور ندوة دعتنا إليها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، في أجواء استقطابية متربة ومجنونة، وفي ظل رغبةٍ مسعورةٍ من قوى سياسية عديدة على حرق التجربة الديمقراطية الناشئة، في أعقاب ثورة يناير 2011.

في ذلك اليوم، قال المستشار الجليل إن جميع الأحزاب والجبهات في مصر بعد الثورة تمارس عملا دعويا، وليس نشاطا سياسيا بالمفهوم العلمي الدقيق للعمل السياسي. ولذا لا يتوقفون عن محاولات إقحام جهتين، ينبغي أن يظلا دائما وأبدا بعيدين عن التسييس هما الجيش والقضاء في أتون الصراع السياسي ومعاركه الصغيرة.

وعقب انقضاض الجنرال عبد الفتاح السيسي، بالقوة المسلحة، على السلطة المنتخبة، شرّفت، مرة أخرى، بأن التقى رأيي برأي المستشار البشري، في توصيف ما جرى بأنه انقلاب عسكري، حيث كتبت في اليوم التالي للجريمة “يبدو أننا فى حاجةٍ لأن ننسف كل ما عرفناه من علوم سياسية، حتى نقر بأن ما جرى فى مصر ليس انقلابا”.

وفي اليوم ذاته، أدلى المستشار البشري بتصريحات لصحيفة الشروق، نشرت تحت عنوان “الإطاحة بمرسي انقلاب على دستور ديمقراطي”، ثم كتب مقالاً ضافياً ووافياً في العاشر من يوليو/ تموز 2013 بعنوان “الصراع القائم الآن هو بين الديمقراطية والحكم والانقلاب العسكرى وليس بين الإخوان ومعارضيهم”، وأتبعه بمقال آخر بعنوان “ما معنى الانقلاب العسكري”، انتهى فيه إلى أن ما جرى انقلاب مكتمل الأركان.

لم يغير المستشار البشري مواقفه يوماً، ولم يتراجع عن آرائه، أو يجبن عن مواجهة ريحِ عاتيةٍ تشيطن كل من يتمسّك بالحق، وينحاز للحقيقة، حتى أوقفوه قسراً عن الكتابة، بل وراحوا يمحون آراءه ومقولاته من الأرشيف، حيث تبقى هذه الآراء هي الأكثر وجاهة وصلابة ووضوحاً، وحجية دستورية وقانونية، في إثبات انقلابية الذين استولوا على السلطة بالقوة المسلحة.

يبقى البشري صاحب الـ 85 ربيعا، وسيظل منارة سامقة في حياة مصر المعاصرة، وقد علمنا أساتذتنا أن نحافظ على ما يضئ بيننا. لذا، يبقى الدفاع عن رجلٍ بهذه القيمة المعرفية والتاريخية واجباً على كل صاحب عقل وضمير.

كفّوا بذاءاتكم عن رجلٍ بمثله تحافظ الأمم على اتزانها وشرفها.