أرقام كثيرة غير منطقية شهدتها مشروعات عبد الفتاح السيسي في مصر، مثل تصريحه بوجود أنفاق بعمق 3 كيلومترات تحت الأرض في سيناء، وهو رقم مستحيل، فأعمق نفق في العالم في سويسرا يبلغ عمقه نحو 2.3 كيلومتر، واستغرق إنشاؤه 17 عاماً.

يلجأ المتجادلون في حالاتٍ كثيرة إلى استخدام الأرقام والإحصائيات، لإثبات صحة وجهة نظرهم، انطلاقاً من أن “الأرقام لا تكذب”. ولكن الأرقام في مصر عبد الفتاح السيسي لا تكذب فقط، بل تخرّف أيضاً.
أول هذه التخاريف هي الكذب الصريح، وقد شوهد ذلك منذ ما قبل الانقلاب العسكري، عندما قيل إن عدد الاستمارات التي وقعتها حركة تمرد بلغت 22 مليون استمارة! واحتفى الإعلام المصري بذلك الرقم من دون إخضاعه لأي تدقيق أو مراجعة، فقد كان المطلوب وقتها هو التضخيم من حجم المطالبين بعزل الرئيس محمد مرسي بأي شكل، وهو ما وجد صداه بعد ذلك عندما تم ترويج كذبة أخرى صارخة، تقول إن المشاركين في مظاهرات 30 يونيو/ حزيران 2013 بلغ عددهم 33 مليون شخص. وقد استمرت الأذرع الإعلامية في ترديد تلك الأكذوبة المضحكة طويلاً، وما زال يستخدمها بعضهم. ومع التسليم بأن المشاركين في المظاهرات كانوا ملايين الأشخاص، إلا أنه لا يمكن بأي حال معرفتهم بهذه الدقة المتناهية، فضلاً عن استحالة بلوغ أعدادهم ربع ذلك الرقم أو أقل منه، كما أن الأذرع الإعلامية تجاهلت ملايين أخرى خرجت في الجهة الأخرى، لتعبر عن وجهة نظر مختلفة، لكن الإعلام سجّل المشهد الأول وتجاهل ما عداه. وقد استمرت الاستعانة بالأرقام من هذه النوعية التي لا مرجعية لها، ولا 
“امتدت الأرقام الخرافية إلى أذرع السيسي الإعلامية”

وسيلة للتحقق منها، عندما أعلن عن انطلاق حملة تجميع استماراتٍ تطالب السيسي بالترشح لفترة ثانية، وأعلن منسقو الحملة أن عدد الاستمارات بلغ أكثر من 12 مليون، لكن بعد الإعلان عن فتح باب الترشح في الانتخابات، لم يستطع السيسي تجميع أكثر من نصف مليون توكيل فقط، على الرغم من حملة الترهيب التي اتبعتها أجهزة الدولة لإجبار الموظفين على تحرير توكيلات وحشد المواطنين الفقراء أمام مكاتب الشهر العقاري، لتحرير التوكيلات مقابل أموال.
بعد ذلك استجدت مرحلة المبالغة الأرقام، تمثلت في إطلاق عدد من الأرقام المتفائلة والوردية الخاصة بالمشروعات التي دشنها السيسي لتسويق نفسه، والحصول على شرعية داخلية، من قبيل تصريح رئيس هيئة قناة السويس، الفريق مهاب مميش، إن تفريعة قناة السويس الجديدة ستحقق عائدات 100 مليار دولار. وحديث عناوين الصحف المصرية، عقب المؤتمر الاقتصادي في مارس/ آذار 2015، عن مشروعات بـ160 مليار دولار، وهي مليارات لم يرَ المصريون شيئاً منها حتى الآن، فضلاً عن أرقام أخرى أعلن عنها السيسي لمشروعات خيالية، من قبيل استصلاح “مليون ونصف المليون فدان” ومشروع “مليون وحدة سكنية” و100 ألف صوبة ومليون رأس ماشية، و40 ألف فدان مزارع سمكية، وإنشاء شبكة طرق على مسافة 11 ألف كيلو متر.
امتدت تلك الأرقام المبالغ فيها إلى خصوم النظام، إذ روجت مواقع إخبارية، وكذا نشطاء مؤيدون للنظام، أن قوات الجيش عثرت على 600 مليار في جبل الحلال في سيناء. وسبق أن خرجت صحيفة مصرية لتبشر المصريين أن قوات الأمن وجدت نصف مليار دولار داخل شقة رجل الأعمال، حسن مالك، الذي لفقت له تهمة الإضرار بالاقتصاد المصري، وأرجع الإعلام المحلي سبب انهيار الجنيه أمام الدولار إلى الرجل.
النوع الثالث من “التخاريف الرقمية”، إذا صح التعبير، هي الأرقام غير المنطقية وغير المعقولة تحت أي مقياس، منها ما قاله عبد الفتاح السيسي عن إنجازه 11 ألف مشروع في أربع سنوات بمعدل ثلاثة مشروعات في اليوم الواحد! فإذا احتسبناها سنجد أنها لا تتجاوز أربعة آلاف وخمسمائة مشروع في أفضل الأحوال، وليس 11 ألفاً. ويجدر أيضاً التساؤل عن طبيعة تلك المشروعات التي تقام في هذا الوقت القياسي. وقد كشف الخبير الاقتصادي، عبد الخالق فاروق، أن جانباً كبيراً من تلك المشروعات المزعومة تتضمن مشروعاتٍ مثل “تطوير بوابات تحصيل الرسوم بطريق القاهرة – الإسكندرية، إنشاء بوابة لمدينة العلمين، إنشاء بوابة لمدينة 6 أكتوبر، افتتاح تطوير حديقة الأسرة”، وهكذا.
أرقام أخرى غير منطقية أيضاً شهدتها مشروعات السيسي، مثل تصريحه بوجود أنفاق على عمق 3 كيلومترات تحت سطح الأرض في سيناء، وهو رقم مستحيل، فأعمق نفق في العالم في سويسرا يبلغ عمقه نحو 2.3 كيلومتر، واستغرق إنشاؤه 17 عاماً، ووصف بأنه أعجوبة هندسية بتكلفة 23 مليار فرنك سويسري، فكيف يتمكّن مهربو أنفاق بدائيون من تجاوز ذلك، والوصول إلى هذا العمق؟ إلا لو كان السيسي يقصد أن النفق يمتد بطول هذه المسافة. وفي هذه الحالة، لا يعرف الفارق بين الطول والعمق.
وإذا كان السيسي قد زعم وجود نفق يصل عمقه إلى ثلاثة كيلو مترات، فإن رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، اللواء كامل الوزير، قد ضاعف هذا الرقم، ليصل إلى 3000 كيلو متر دفعة واحدة، عندما صرح عن حفر الهيئة آباراً بهذا العمق لاستصلاح مليون ونصف المليون فدان، قبل أن تعدل صحيفة الأهرام الخبر، بعد تداول التصريح “الفضيحة”، وتحذف كل ما له علاقة بعمق الآبار.
امتدت الأرقام الخرافية إلى أذرع السيسي الإعلامية، فوجدنا الذراع الإعلامية، أحمد موسى، 

“يتصور السيسي أن في وسعه التلاعب بالأرقام والتصريح بها من دون رقيب أو حسيب”

يتهم مرسي بأنه باع وثائق سرية لدولة قطر مقابل 1.5 مليون دولار (فقط!)، على الرغم من أنه اتهم محمد البرادعي بالحصول على 950 مليون دولار (يا للدقة) من الولايات المتحدة ليتآمر على مصر، ويتضح هنا الفارق الشاسع بين الرقمين. وسبق أن اتهم أحد الخبراء الاستراتيجيين المصريين الشيخ يوسف القرضاوي بأنه اشترى سلاحًا بعشرة مليارات دولار لما يسمى “الجيش المصري الحر”، وهو رقم لا تستطيع توفيره عدة دول مجتمعة لجيوشها. وأخيراً، اتهم السيسي بنفسه شخصين لم يسمهما بأنهما تناولا عشاء تبلغ تكلفته 50 مليون دولار بغرض إسقاط مصر! ولم يستطع أحد حتى الآن أن يفسر كيف يمكن أن يتناول شخصان عشاءهما بهذه التكلفة.
النوع الأخير من الخرافات هو “التدليس”، بمعنى التركيز على جانب واحد من الصورة، وإغفال الجوانب الأخرى، ويتعلق بشكل أساسي بالمؤشرات الاقتصادية. وكان جديد تجليات ذلك التدليس الحديث عن وصول الاحتياطي النقدي المصري إلى 42 مليار دولار، وأنه أعلى مستوى في تاريخه، مع تجاهل باقي المؤشرات الاقتصادية الأخرى، والتي تقارن بين بداية الفترة الرئاسية للسيسي ونهايتها، فهي تفيد بأن سعر صرف الدولار أصبح 18.65 جنيهاً، بعد أن كان 6.95 جنيهات، فيما بلغ الدين الخارجي 81 مليار دولار، بعدما كان 45 مليار دولار، وهي زيادة تفوق نسبة 100%، وهو أعلى مستوى للديون في تاريخ مصر، كما فاق الدين المحلي 3 تريليونات جنيه، بعدما كان 1.8 تريليون، وتضاعف معدل التضخم أكثر من 3 مرات، كما أن معظم مكونات الاحتياطي النقدي هو قروض وسندات دولارية، واجبة السداد بفوائد باهظة على مصر.
يتصور السيسي أن في وسعه التلاعب بالأرقام والتصريح بها من دون رقيب أو حسيب، وسط جوقة المصفقين له، لكن أرقامه تلك أصبحت مادة للسخرية والهجوم اللاذع، بعد اكتشاف زيفها وعدم صلتها بالواقع، مثل كل شيء تقريباً في عهده.