لم يفز الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بالرئاسة لأنه الأقوى فحسب، وإنما أيضاً لأنه قام بتأميم المجتمع السياسي في روسيا، وبتجميد الحياة السياسية بشكل كامل، فلم تعد هناك معارضة حقيقية أو مجتمع مدني قوي، يمكنه وقف سلطويته المستمرة منذ حوالى عقدين.

لم يكن فوز الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بولاية رئاسية رابعة أمراً مفاجئاً، فالرجل القوي في روسيا خلال العقدين الماضيين ضمن فوزه في الانتخابات الرئاسية قبل أن تبدأ، وذلك من خلال إجراءات نظامه السلطوي الذي يمنع أي منافسة حقيقية أو جادة في بلاده. بيد أن الجديد في الانتخابات الروسية جاء من خارجها، وتحديداً من منطقة الشرق الأوسط التي احتفلت وسائل الإعلام في أكثر من بلد بها بالفوز الساحق (؟!) لبوتين في الانتخابات، وكأنها تحتفل بزعمائها ورؤسائها. فمن تابع الإعلام المصري، خلال الأسبوع الماضي، يكتشف النشوة التي طغت عليه، حتى قبل الإعلان النهائي عن نتائج الانتخابات الروسية. وكذلك الإعلام الموالي للنظام السوري الذي اعتبر فوز بوتين انتصاراً لحليف مهم وقوي لبشار الأسد.
فوز بوتين بفترة رئاسية جديدة تستمر ستة أعوام تعني أن روسيا سوف تستمر في عباءة “البوتينية” حتى عام 2024، وهي أطول فترة حكَمَ فيها شخص واحد روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1990. أي أننا إزاء ترسيخ كامل لما أسمياها لوكان واي وستيفن ليفتسكي السلطوية التنافسية، والتي تمثل نوعاً جديداً من الأنظمة السلطوية التي تحتكر السلطة من خلال الانتخابات. بيد أن معضلة هذا النوع من السلطويات التنافسية، والتي تنتشر في العالم خصوصاً في منطقتنا العربية، أنها تدمر المجتمعات بشكل بطيء، نتيجة غياب المنافسة الحقيقية، وانتفاء البدائل السياسية، بحيث إذا اختفى الشخص القوي تنفلت الأوضاع، وتعم الفوضى في البلاد، وذلك كما حدث في ليبيا واليمن والعراق وغيرها. ومن يتابع تعليقات مختصين في الشأن الروسي سوف يكتشف أن البلاد مقبلة على مرحلةٍ غير مسبوقة من المجهول، نتيجة غياب بدائل سياسية واضحة، يمكنها أن تملأ فراغ السلطة، بعد خروج بوتين منها. صحيح أن بوتين يحظى بشعبية لا يمكن إخفاؤها أو التقليل منها، خصوصاً في المدن الكبرى، مثل موسكو وسان بطرسبرغ، إلا أن المشكلة تكمن في أنه لم يترك مساحةً لأي شخص أو تيار أو حزب آخر، يمكنه أن يملأ فراغه، حين يرحل أو يخرج من السلطة. قطعاً سيحاول بوتين، في الأعوام الستة المقبلة، تهيئة من يخلفه في قيادة البلاد، مثلما فعل قبل أعوام حين جاء بصديقه ديمتري ميدفيدف رئيساً، وتولى هو رئاسة الوزارة، وكان هو الحاكم الفعلي للبلاد.
ربما كان ملفتاً، وإنْ لم يكن مفاجئاً، أن يتلقى بوتين تهنئة على فوزه في الانتخابات من رئيس أهم دولة ديمقراطية، وهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي تهاجمه صحف بلاده الآن على هذه التهنئة، باعتبارها إساءة للتقاليد والقيم الأميركية. وقد جاء الانتقاد الأبرز لترامب من السيناتور المخضرم جون ماكين الذي قال، في بيان صدر عن مكتبه، عشية تهنئة ترامب لبوتين “إن اتصال رئيس أميركي بالمستبدين الفائزين بانتخابات مزيفة، تصرّفٌ لا يجعله قادراً على قيادة العالم الحر”. ولا يبدو ترامب عابئاً بانتقادات الصحف الأميركية له على تهنئته بوتين، وهو الذي يغبط الأخير، وغيره من طغاة العالم، على سلطويتهم وسلطاتهم الواسعة.
لم يفز بوتين بالرئاسة لأنه الأقوى فحسب، وإنما أيضاً لأنه قام بتأميم المجتمع السياسي في روسيا، وبتجميد الحياة السياسية بشكل كامل، بحيث لم تعد هناك معارضة حقيقية أو مجتمع مدني قوي، يمكنه وقف سلطويته المستمرة منذ حوالى عقدين. وقد يؤدي غيابه إلى سيناريوهات كثيرة غير محسوبة العواقب، ليس أقلها دخول روسيا في حالة من الفوضى والصراع على السلطة، لم تشهدها خلال العقود الخمسة الماضية.