إن كان لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الرغبة بطي الملف اليمني، فلا يبدو أن حلفاءه في أبوظبي يشاطرونه الرغبة، إذ لم يعد حلفاء “عاصفة الحزم”، و”إعادة الأمل”، على قلب رجل واحد، وإن كنت تحسبهم جميعاً فقلوبهم شتّى، كما أجنداتهم.

لا ندري كم هو عدد المرات التي بشّرنا فيها المسؤولون السعوديون بقرب انتهاء عمليات “عاصفة الحزم” التي هبت قبل ثلاث سنوات لإعادة الأمل إلى اليمن “غير السعيد”. قبل أيام، عاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى الإعلان من القاهرة، ثم من لندن، أن الحرب في اليمن قاربت على النهاية، بعد تحقيق هدفيها، استعادة الشرعية ودحر المتمردين الحوثيين. ومرة أخرى، لا ندري ما هو المدى الزمني الذي يعنيه ولي العهد السعودي، عندما يقول “قاربت”، وهو نفسه الذي قال، يوم أعلن بدء عمليات العاصفة فجر 25 مارس/ آذار 2015، إن العملية ستنتهي خلال ثلاثة أشهر. مرت ثلاث سنوات على انطلاق “عاصفة الحزم”، والعمليات العسكرية التي ينفذها تحالف دعم “الشرعية” اليمنية، بقيادة السعودية، التبس فيها “الحزم” بـ”الأمل”، ولم يأت كلاهما لليمنيين إلا بالألم.
يحق للمراقبين التشكك فيما أعلنه ولي العهد السعودي، سيما وأن لا شيء مما قامت عليه هذه الحرب، وما قامت لأجله، تحقق، بل إنها أعادت اليمن إلى عصور ما قبل الحجر، وقضت على كل حياة. فقط عجزت عن القضاء على الحوثي الذي اتخذت منه ذريعة لشن حرب غاشمة على جارها. وفشلت أيضاً بإعادة الشرعية التي لا يدري أحدٌ مصير رأسها المحشور في الرياض. عوضاً عن الحفاظ على وحدة اليمن، وسلامة وحدة ترابه الوطني، بات اليمن دويلاتٍ، ومناطق نفوذ، وملاذ مرتزقة مجندين من السلفادور وكولومبيا. بعد ثلاث سنوات من “إعادة الأمل” يعيش اليمن كارثة إنسانية، بكل المقاييس والمعايير، تفشّي الأوبئة والأمراض، كالكوليرا والدفتيريا، ناهيك عن تدمير بنية البلاد التحتية ومدن وقرى بأكملها، إضافة إلى إحداث حالةٍ من الانقسام القبلي والمجتمعي. وقد اختصر تقرير للجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة وصف الحال الذي وصل إليه اليمن وأهله، بالقول: “بعد قرابة ثلاث سنوات من النزاع، كأن اليمن اختفى من الوجود”.
جعل هذا الوضع الكارثي السعودية الخاسر الأكبر، إذ لم تجنِ سوى المتاعب والخسائر العسكرية والاقتصادية. وبسبب هذه الحرب العبثية التي كلّفت المملكة عشرات مليارات الريالات، على الرغم من التعتيم على الكلفة الفعلية، يعاني الاقتصاد السعودي من مصاعب أدّت إلى تآكل احتياطي السعودية النقدي الذي فقد أكثر من 35% منه منذ بداية الحرب. ولا ريب أن حرب اليمن كانت ولا تزال السبب الأساس في وصول المملكة إلى ضائقة اقتصادية، دفعت إلى فرض حزمة من الضرائب، ورفع أسعار المحروقات. أضف الى ذلك ما أصاب المملكة من انتقادات دولية، رسمية وشعبية، تجلت بالتظاهرات الاحتجاجية التي استقبلت الأمير محمد بن سلمان في زيارته أخيراً لندن.
وفي مقابل ذلك، تبدو الإمارات الرابح الأكبر من الحرب، وقد انحرفت برياح “الأمل” إلى حيث تشتهي قوارب مصالحها. فبينما تتحمل السعودية كل الأوزار، انشغلت الإمارات بتمرير أجنداتها الخاصة، وأخذت تمد نفوذها في اليمن من أقصى الجنوب الشرقي مروراً بجزيرة سقطرى التي تحولت إلى مستعمرة عسكرية، وصولاً إلى أقصى الغرب في المخا، وبينهما سيطرت على موانئ اليمن ومطاراته، والحقول النفطية والغازية في شبوة، وهي الآن في طريقها إلى انتزاع آخر مراكز نفوذ السعودية في الجنوب اليمني في وادي حضرموت، وتستعد للوصول إلى أقصى الشرق، حيث محافظة المهرة الحديقة الخلفية لسلطنة عُمان. ويبدو أن شهية الإمارات مفتوحة على أبعد من ذلك.
للأسف، حرب عبثية، تجلى فيها كل الحزم، ولم تأت رياحها وعواصفها بأي أمل، بل جلبت كل الخراب لليمن الذي كان يوماً ما سعيداً، لا نراها تنتهي قريباً. وإن كان لولي العهد السعودي الرغبة فعلاً بطي هذا الملف، فلا يبدو أن حلفاءه في أبوظبي يشاطرونه الرغبة نفسها، ففي حرب اليمن لم يعد حلفاء “عاصفة الحزم”، و”إعادة الأمل”، على قلب رجل واحد، وإن كنت تحسبهم جميعاً فقلوبهم شتّى، كما هي أجنداتهم.