0120571f-b158-47cf-98c9-01f8d39d5a9a.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

حيّان جابر

الخوف والقلق الإيراني من عودة موجات الثورات الشعبية وتصاعدها هو الدافع للدعوة الإيرانية إلى “شبكة أمن إقليمية” في المنطقة، في مقال وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، كونها مصدر الخطر الأول على النظام والمصالح الإيرانية، وكون مواجهته تتطلب التذلل للقوى الدولية.

غالباً ما يتصف الخطاب الدبلوماسي بالغموض والمراوغة، خصوصاً في الدول التي تتسم بأدنى درجات الصدق والشفافية في خطابها الإعلامي والسياسي، داخلياً وخارجياً، كالخطاب الإيرانيً. إلا أننا نلمس في مقال وزير الخارجية الإيرانية، محمد جواد ظريف، في صحيفة في 20/3/2018 رسالة إيرانيةً مباشرة ومحدّدة، على غير عادة الخطاب الإيراني. فهي من المرات النادرة التي لا تلجأ الدبلوماسية الإيرانية فيها إلى استخدام خطاب الممانعة والمقاومة والعداء لإسرائيل وأميركا وسيلة لتمويه غاياتها وأهدافها الحقيقية، فقد اختار ظريف التوجه مباشرة إلى جميع أنظمة المنطقة (يبدو أن الرسالة موجهة إلى تركيا أيضا) داعياً إياهم لتشكيل شبكة أو نظام أمني مشترك، ومستثنياً، بشكل واضح، توجيه أي رسالة إلى شعوب المنطقة من الإيرانيين إلى العرب والأتراك، وإن أشار إلى أهمية تعزيز تواصل الشعوب، من أجل تمهيد الأرضية الخصبة لتنفيذ المخطط الإيراني، كالتواصل السياحي! الأمر الذي يعبر عن غياب الرغبة الإيرانية في تعزيز أوجه التواصل الشعبية الحقيقية، فاستبعد الوزير الإيراني شعوب المنطقة بشكل كامل من حديثه ودعوته ومخططه، وهو ما يجعلنا نصفه بالخطاب الإيراني الأكثر صدقاً ووضوحاً. إذ يعبر هذا الخطاب عن حقيقة التوجهات والممارسات الإيرانية عموماً التي تعمل على تقويض الشعوب، وأسرها وقتلها إن عجزت هذه الممارسات عن تطويع هذه الشعوب وتجنيدها لخدمة مصالح الطغمة الإيرانية الحاكمة، وهو ما عوين في خطاب النظام الإيراني وتعامله مع الاحتجاجات الشعبية الإيرانية قبل أسابيع، وكذلك في 
“يشكل تمدد نفوذ القوى الدولية وتغلغلها، ولاسيما الروسية والأميركية، مصدر قلق وخطر”

توجهات جميع القوى والأنظمة الخاضعة والتابعة لإيران، بداية من حزب الله اللبناني الذي يتزعم التحالف الحاكم رئاسياً وحكومياً في لبنان، والذي يعمل الحزب على تطويعه في خدمة الرؤى والمصالح الإيرانية، على حساب متابعة مشكلات اللبنانيين أنفسهم، وحلها، كمشكلة النفايات والرواتب وارتفاع الأسعار والبطالة وغيرها الكثير. كما نلمس التوجه نفسه لدى أتباع إيران في العراق، سواء لدى القادة السياسيين، مثل نوري المالكي وحيدر العبادي، أو المرجعيات الدينية الذين يغيبون مشكلات المجتمع العراقي الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لصالح ترتيب الأوضاع العراقية بأفضل صورة ممكنة، لتنفيذ المخططات الإيرانية داخل العراق وفي محيطه. فضلاً عن ممارسة النظام الإيراني وجرائمه بحق الشعوب العربية الثائرة، ولاسيما في سورية واليمن.
إذا قد تكون هذه المرة الأولى التي تتحلّى بها الدبلوماسية الإيرانية بدرجات عالية من الصدق والوضوح، لتعبر عن عدم اكتراثها بآراء الشعوب ومطامحها إجمالاً، بداية بشعبها الإيراني وليس انتهاء بالشعب العربي، لتتوجه مباشرة نحو الأنظمة، وتدعوها إلى تشكيل تحالف أمني مشترك وقوي وقادر على مواجهة تحديات المرحلة وصعوباتها. لكن ما هي هذه التحديات والصعوبات التي تتطلب جمع جميع إمكانات أنظمة المنطقة وجهودها وقدراتها؟
إنه الإرهاب والهجرة المتصاعدة، وفقاً لنص المقال الحرفي، إذ ينطلق من طرح “داعش” مثالا يتطلب توحيد جهود المنطقة، بدلاً من استمرار أجواء التناحر والتصادم بين دولها. ليتناسى الوزير الإيراني مجمل الحملات الإعلامية والسياسية التي كانت تتبادل اتهامات المسؤولية عن وجود تنظيم داعش وصعوده ونموه. وكأنه يقول إننا اليوم في مرحلة تتطلب التصدي لهذا الخطر من دون الاهتمام بمصدره الحقيقي، أي علينا الاستمرار في اللهاث خلف الإرهاب الداعشي، وإن تغيرت الأسماء مستقبلاً، حتى نتمكّن من تحقيق مصالح جميع دول المنطقة. ومن دون أن يقدّم لنا أي تفسير، ولو ظاهريا، لكيفية ظهور “داعش” واختفائه، ومثيلاته، بلمح البصر ومن دون أي أثر لها، كما رأينا ما بعد تحرير التحالف الأميركي والإيراني والعراقي الموصل في العراق، أو كما رأينا ما بعد تحرير التحالف الروسي والإيراني والسوري لتدمر، أو لغيرها من المدن السورية، فهل تبخّرت آليات “داعش” كما تبخر مقاتلوه!؟ لن نجد أي إجابة أو دنو من الإجابة عن أي من هذه الأسئلة في الخطاب الإيراني والعالمي إجمالاً، وفي مقال جواد ظريف تحديداً، نظراً لأن “داعش” والإرهاب مجرد ستار يخفي خلفه مصدر الخطر والقلق الحقيقي والمتمثل بالثورات والإرادة الشعبية.
لذا، ونظراً إلى صعوبة تحلي الخطاب الإيراني والعالمي إجمالاً بمثل هذا الوضوح والصدق، كان لا بد من اللجوء إلى كلمة السر أو الكلمة التضليلية “داعش”، عند كل حاجة للإشارة إلى خطر النهوض الشعبي. وعليه، تتمثل الدعوة الإيرانية الحقيقية في دعوة جميع أنظمة المنطقة إلى الوحدة في مواجهة المرحلة الثورية الراهنة، ومواجهة طموحات الشعوب ورغباتها. انطلاقاً من اليقين الإيراني، وربما العالمي، بعجز جميع قوى الإجرام والاستبداد والتطرف عن حرف المسار التاريخي، وإن تمكنت من إعاقته مؤقتاً، هذا المسار الذي ما زال يشير إلى قدرة 

“الإرهاب مجرد ستار يخفي خلفه مصدر الخطر والقلق الحقيقي والمتمثل بالثورات والإرادة الشعبية”

الشعوب على استعادة مسارها الثوري، وتصحيح بعض الأخطاء التي سهلت على القوى الدولية مهمة تقويض الثورات، من أجل تحقيق التغيير المنشود، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
فعند التدقيق في جميع الظروف والأوضاع المحلية والإقليمية، ونسبياً العالمية، يمكن ملاحظة أن الظروف والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي دفعت الشعوب إلى الثورة مازالت قائمة، بل و أصبحت أسوأ بكثير، وهو ما يشكل خطراً على بقاء الطغم الحاكمة. كما أن تحسين هذه الظروف والأوضاع المحلية المتردية يتطلب إيقاف نهب المافيات والطغم الحاكمة. وبالتالي، فإنه يهدد بقاءها وتماسكها. ليبقى الخيار الوحيد المتاح هو خيار التصدي لمسار الشعوب الثورية، عبر هزيمتها وأسرها وزجّها في سجون الأنظمة القائمة، وهو الخيار الذي يدعو إليه ظريف بصورة شبه واضحة وصريحة.
كما يشكل تمدد نفوذ القوى الدولية وتغلغلها، ولاسيما الروسية والأميركية، مصدر قلق وخطر أيضاً على مكانة سيطرة القوى الإقليمية. وهذا الخطر يصعب مواجهته والتصدي له، أولاً نتيجة تفوق الإمكانات الروسية والأميركية، وثانيا نتيجة حاجة إيران وأنظمة الاستبداد والإجرام والرجعية الإقليمية لهم، من أجل وأد الثورات العربية، بعد سنوات من فشلها في ذلك بقواها الذاتية.
وعليه، يمكن القول إن الخوف والقلق الإيراني من عودة موجات الثورات الشعبية وتصاعدها هو الدافع الرئيسي للدعوة الإيرانية في مقال الوزير جواد ظريف، كونها مصدر الخطر الأول على النظام والمصالح الإيرانية، وكون مواجهته تتطلب التذلل والتودد والخضوع لمصالح القوى الدولية، من أجل المساعدة في مواجهة الشعوب. الأمر الذي يدفع النظام الإيراني إلى دعوة أنظمة المنطقة من أجل تقاسم المصالح والأهداف، وفقاً لقاعدة الربح للجميع التي تشكل نهاية مرحلة التنازع على السيطرة الإقليمية، مقدمة لتشكيل شبكة أمنية تحاصر مسار الثورات الشعبية الراهنة والمقبلة وتقوّضه.

إعجاب تحميل...