بقيت الغوطة الشرقية قرب دمشق تحت الحصار القاتل، وفشلت الأمم المتحدة في إيصال المساعدات إلى تلك المناطق، ولم يتغير شيء من حياة المواطنين المدنيين هناك، سوى الألم اليومي والمعاناة التي كانت دوماً تعني أحد الخيارين، الموت البطيء أو الموت السريع.

شكلت الغوطة الشرقية دوماً صداعاً دائماً للأسد، فهي لا تبعد سوى كيلومترات معدودة عن العاصمة دمشق، وبقيت على الدوام، ومنذ بدء الانتفاضة السورية، معقلاً رئيسياً للمعارضة، وذكرى دائمة للأسد أن حلمه في استعادة السيطرة على سورية، كما كانت قبل عام 2011 صعب المنال. ولذلك كانت عرضة لاستخدام الأسلحة الثقيلة والقصف العشوائي لطيران الأسد، واستهتار كامل بحياة المدنيين هناك، عقاباً لهم على قبولهم بخروج مناطقهم خارج سيطرة الأسد، ولا أدل على حقد الأسد في استهداف الغوطة الشرقية من تقرير تقصّي الحقائق الصادر عن الأمم المتحدة، بعد استخدام السلاح الكيميائي في أغسطس/ آب 2013، إذ يصف التقرير، وبدقة، طريقة استخدام هذه الأسلحة بإطلاق أربعة صواريخ في الساعة الثانية صباحاً، حيث الهدوء الكامل، من أجل تجنب تأثير الرياح، ومضاعفة عدد القتلى المدنيين إلى الحد الأقصى، كما أن كثافة غاز السارين المستخدمة تكشف أيضاً، وفقاً للتقرير عن القرار، النية المبيتة لأصحاب قرار إطلاق هذه الصواريخ بمضاعفة عدد القتلى المدنيين إلى الحد الأقصى، وكما أن المنطقة كلها كانت تحت الحصار، فليس هناك أي نوع من التدريب، أو المعدات الطبية التي تجنب أو تقي الإصابة بأعراض السلاح الكيميائي. ولذلك ولما كان سكان المنطقة نياماً في الصباح، أطلقت الصواريخ المحملة بالسلاح الكيميائي، وما ضاعف من عدد القتلى هو انعدام التدريب، لتجنب استخدام هذه الأسلحة، حيث بدلاً من الخروج أو الصعود إلى الأعلى هرب الأهالي إلى الملاجئ، ما ضاعف من عدد القتلى، بسبب كثافة الغاز المستخدم. ولذلك وجدنا عائلات بأكملها منها عائلة مؤلفة من 16 فرداً فقدت حياتها بأكملها، بسبب استنشاقها غاز السارين في قبو أحد المنازل في الغوطة.
وعلى الرغم من الضجة الدولية التي أعقبت استخدام السلاح الكيميائي، وتمنّع الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، عن الوفاء بوعده، بسبب تجاوز الخط الأحمر، على الرغم من تهديده 
“لا يمكن تفسير التصعيد العسكري الروسي في إدلب والغوطة إلا رداً على فشل مؤتمر سوتشي”

بقصف النظام السوري، بسبب استخدامه هذه الأسلحة، فإن الغوطة بقيت تحت الحصار القاتل، وفشلت الأمم المتحدة في إيصال المساعدات الغذائية، أو الدوائية، إلى تلك المناطق، ولم يتغير شيء من حياة المواطنين المدنيين هناك، سوى الألم اليومي والمعاناة المستمرة التي كانت دوماً تعني أحد الخيارين، الموت البطيء أو الموت السريع بسبب القصف أو القنابل الساقطة من السماء.
وعلى الرغم من محاولات نظام الأسد اقتحام الغوطة براً، والسيطرة عليها عسكرياً، إلا أنه فشل بشكل دائم، ولم تستطع المليشيات التابعة له في اقتحام الغوطة، على الرغم من المحاولات المتكرّرة، وهو ما زاد من حقد الأسد عليها الذي حاول الاستعاضة عن هذا الخيار بخيار شمشون، في تدمير المناطق أو مدن الغوطة بأكملها على ساكنيها، وتحويلها إلى أنقاض وجثث لا تجد من يرفعها، كما فعل الأسد سابقاً في داريا وحلب وحمص، وغيرها من المناطق التي خرجت من تحت سيطرته.
لا يمكن تفسير التصعيد العسكري الروسي في إدلب والغوطة، إلا رداً على فشل مؤتمر سوتشي ورفض المعارضة، بشكل مطلق، المشاركة فيه أو القبول بمخرجاته. ولذلك، جاء الرد الروسي سريعاً من دون احترام لما تسمى مناطق خفض التصعيد التي يفترض أن تكون روسيا طرفاً ضامناً فيها، لكنها، بكل واستخفاف، تجاهلت الدعوات الدولية والأممية إلى وقف التصعيد في الغوطة الشرقية، وبدأت بدعم قوات نظام الأسد في أسوأ حملةٍ عسكريةٍ، تهدف إلى إخضاع الغوطة، وتدمير ما تبقى فيها على من تبقى فيها، وهو ما دفع الأطراف الدولية إلى تصعيد حدة الانتقادات الدولية لروسيا ولنظام الأسد، بل وتحول مجلس الأمن الدولي إلى جلسة ردح جماعي لمناقشة قرار سلبي “يطالب الأطراف في النزاع السوري المستمر منذ سبعة أعوام بوقف الأعمال القتالية من دون تأخير مدة 30 يوماً على الاقل”، مع ضمان “وقف إنساني دائم، يسمح بتسليم المساعدات الإنسانية أسبوعياً وعمليات الإجلاء الطبي والمرضى الحرجة حالاتهم والجرحى”.
وعلى الرغم من صدور القرار 2401 بالإجماع، والمطالبة بالرفع الفوري عن الحصار عن المناطق المأهولة بالسكان، بما في ذلك الغوطة الشرقية، وأن تتوقف الأطراف عن حرمان المدنيين من الأغذية والأدوية الأساسية، وتمكين منظمات الإغاثة من “الإجلاء السريع والآمن ومن دون عوائق لجميع المدنيين الذين يرغبون في المغادرة”، ووقف إطلاق النار في جميع أنحاء سورية. إلا أن النظام السوري رد، في اليوم التالي لصدور القرار، باستخدام غاز الكلور في الغوطة، مخلفاً أكثر من 23 قتيلاً في مدن الغوطة المختلفة، كما أن روسيا، وعلى لسان وزير الخارجية، سيرغي لافروف، أعلن أن وقف إطلاق النار لا يشمل الجماعات الإرهابية الموجودة في الغوطة، في مبرّر صريح لاستكمال روسيا عملياتها العسكرية في الغوطة، وأن الهدنة ستشمل ساعات محدودة من كل يوم فقط، وطالب المدنيين بالخروج من الغوطة لتكرار سيناريو حلب ذاته.
لقد استطاعت روسيا، بعد أيام من المفاوضات في مجلس الأمن، من تأخير صدور القرار، 

“السبب الوحيد الذي يدفع روسيا إلى استكمال حملتها في الغوطة هو سلبية الموقف الأميركي الذي تحول إلى مجرد مراقب في مجلس الأمن”

وتعديل لغته لمنع إدانة نظام الأسد، فبدلاً من الصيغة المقدمة من السويد والكويت، والتي تحدثت عن Immediate تم تعديل مشروع القرار كي يتحدث عن without delay، وفق الرغبة الروسية، بغرض كسب الوقت، كما رفضت روسيا تضمين القرار أي عبارات تدين نظام الأسد بشكل مباشر، وتحمله مسؤولية قتل المدنيين في الغوطة.
لكن وحتى مع خفة حدة القرار، لا شيء يضمن أبداً تنفيذ القرار، ولا يبدو أن النظام السوري الذي يجد حماية دائمة له في مجلس الأمن من روسيا سيلتزم بتنفيذ بنود القرار، كما لم يفعل مع عدة قراراتٍ سابقة، وبمجرد هدوء الضغط الدولي، سيعود نظام الأسد مدعوماً من القوات الروسية في تحقيق حلمه في السيطرة عسكرياً على الغوطة، وكل المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام.
والسبب الوحيد الذي يدفع روسيا إلى استكمال حملتها في الغوطة هو سلبية الموقف الأميركي الذي تحول إلى مجرد مراقب في مجلس الأمن، مع حذف كل الخيارات الأخرى، وخصوصاً الخيار العسكري في منع استخدام الطيران السوري من استهداف المدنيين في الغوطة. وبالتالي، فإن النظام الذي لم يرتدع عن استخدام كل الأسلحة المحرمة الدولية ضد شعبه لن يجد نفسه في أي موقف حرج، يمنعه من تجاوز كل قوانين الحرب، لضمان بقائه وسيطرته. وبالتالي، فإن قراراً جديداً من مجلس الأمن لن يعني له شيئاً، ولن يضع حداً لشهوة السلطة لدى كل من بوتين والأسد.