«وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ». (القصص– الآية 7)

«الرضاعة سلوك فطري وتلقائي، حتى الحيوانات تلد وترضع ولم يعلمها أحد». نعم، هكذا سيخبرك الجميع، وهم -نظريًّا- على حق. فلو أن أمًّا وضعت في غابة أو صحراء ولم تكن تعرف شيئًا عن الرضاعة؛ فستصل في النهاية إلى إرضاع طفلها بطريقة ما. في مشهد عبقري من فيلم «توت توت»، رغم الإعاقة العقلية الشديدة لدى «كريمة» بطلة الفيلم، وولادتها وحدها تمامًا، إلا أنها نجحت في استنتاج أن ثديها ينتج لبنًا وأنه يصلح غذاءً لطفلها، دون أن يعلّمها أحد ولا أن يتدرب طفلها أكثر من مرة على التقام الثدي. هذا المشهد فطري وحقيقي بشكل يفوق الوصف.

وهنا تظهر العديد من التساؤلات: لماذا لا يحدث هذا المشهد مع كل الأمهات؟ هل هناك أمهات كُتِب لها الإرضاع وأمهات أخرى لا تملك هذه القدرة؟ هل هي هبة ربانية لبعض النسوة دون غيرهن؟ هل هو رزق لبعض الأطفال دون غيرهم؟ لماذا يتأخر لبن الكثير من الأمهات في الظهور؟ وماذا نطعم الأطفال حتى يظهر اللبن؟ هل كان يحدث هذا قبل عصور المدنية الحديثة؟ وماذا كان يحدث للأطفال قبل اختراع الألبان الصناعية ورضعات الجلوكوز والأعشاب؟ لماذا لا يتمكن طفلي من الإمساك بالثدي بسهولة؟ لماذا يؤلمني بشدة عندما يمسك به؟ لماذا يبكي؟ لماذا لا يتوقف عن البكاء؟!

حسنًا، هناك بعض القواعد الثابتة في مسألة الرضاعة، سنجد فيها الإجابة عن كثير من التساؤلات.

أولًا: الولادة الفطرية تفضي إلى رضاعة فطرية

كلما زادت التدخلات غير الضرورية في الولادة، ظهرت صعوبات أكثر في الرضاعة. والولادة الفطرية الطبيعية لا تعني فقط أن تكون الولادة مهبلية، بل تعني أن تتم في ظروف أقرب للحدث الفسيولوجي الطبيعي منه إلى الجراحة الطبية الكبرى. فما بين الولادة المنزلية التي كانت تتسبب في معدلات عالية جدًا من الوفيات للأم والطفل، والولادة القيصرية الاختيارية المجدولة مسبقًا بموعد لتناسب أطرافًا أخرى ولاعتبارات أخرى بخلاف صحة الأم والطفل، ودون مبرر طبي قوي وواضح- يوجد دومًا الاختيار الأوسط: حمل صحي، يفضي إلى ولادة آمنة بأقل التدخلات الممكنة، حتى وإن استلزم الأمر تدخلًا طبيًّا، أو جراحيًّا فسيكون في إطار جعل الولادة آمنة أكثر للأم والطفل.

في عصرنا الحالي، لا يمكن الحصول على هذه النتائج إلا بتحقيق أطراف المعادلة: أم واعية ومثقفة صحيًّا، تحافظ على صحتها الجسدية والنفسية، تحسن ممارساتها الصحية وتتقن اختياراتها التغذوية والرياضية –قبل الحمل وأثنائه وبعده- وطبيب فاهم حاذق، يضطلع بمهمة تثقيف الأم طوال مرحلة الحمل، ويسمح لها بالمشاركة في قرارات ولادتها طالما سمح الأمر، ويجيد التفرقة بين ما هو تدخل طبي طارئ وضروري، أو ممارسة روتينية يمكن الاستغناء عنها، وأب يشارك في اتخاذ القرارات، يوفر الدعم النفسي اللازم للأم طوال فترة الحمل، ينوب عنها في لحظات ضعفها ويذكرها بما قد تنساه، ويسعى من أجل تحقيق خطة الولادة كما رسماها قدر الإمكان.

ثانيًا: الرضاعة مسألة فطرية للطفل

لكنها قد تكون مهارة تحتاج إلى التعلم والممارسة بالنسبة للأم.

يولد الطفل بمنعكسات رد فعل فطرية وتلقائية عديدة، كثير منها يهدف لجعل الطفل يبحث عن الثدي، ويميل نحوه ثم يلتقمه، ويرضع. أبهذه البساطة؟! الإجابة هي نعم ولا في الوقت نفسه. فالأمر الذي يبدو في صياغته بسيطًا تمامًا، يحدث نتيجة عملية محكمة تمام الإحكام. فحواس الطفل حديث الولادة معدة بدقة لكي تيسر له الوصول إلى مصدر طعامه الوحيد، وهو ثدي الأم. فعينا الطفل حديث الولادة لا يمكنهما الرؤية بوضوح، ولكن يمكنه التمييز بين مساحات الأبيض والأسود، فيمكنه رؤية حلمة الثدي التي تكون أكثر اسمرارًا مقارنة بجلد الأم. ولعل الأمهات تلاحظ زيادة اسمرار حلمة الثدي والهالة البنية المحيطة به طوال فترة الحمل. كما أن حلمة الثدي محاطة ببعض العقد الصغيرة التي تفرز مادة ذات رائحة مميزة تجذب الطفل إليها لأنها تشبه رائحة السائل الأمنيوسي الذي كان يحيط بالطفل في الرحم.

جدير بالذكر هنا أن الطفل لا يولد جائعًا. فالطفل يستمر في الحصول على تغذيته طالما هو متصل بالحبل السري، ولا تنقطع التغذية حتى يقوم الطبيب -أو الأب- بقصه عندما يتوقف الحبل عن النبض. وطالما أن حالة الطفل والأم الطبية مستقرة فنادرًا ما نقلق بشأن هبوط سكر الدم للطفل حديث الولادة إلا في حالات معينة أشهرها أن تكون الأم مصابة بداء السكري. وبخلاف ذلك لا داعي للجزع من أن الطفل يبكي فهو بالضرورة جائع، فأسباب بكاء الطفل حديث الولادة متعددة، ويمكن أن يفرد لها من الكلام الكثير. فالأولى أن ندع الطفل في الساعة الأولى من الولادة يستلقي ببطنه على بطن الأم وجلده ملامس لجلدها مباشرة، بدون أي رضعات صناعية أو أعشاب أو ماء أو حتى سكاتة (لهاية/ تيتينة)، ونترك الفطرة والطبيعة تأخذ مجراها، ونحن نلاحظ ونترقب ولا نتدخل إلا قدر الحاجة. الساعة الأولى من عمر الطفل ذهبية لا لأنه جائع، ولكن لأنه يكون في كامل وعيه وتركيزه -بفرض أنه لم يتعرض لأدوية مخدرة أثناء الولادة- حتى يحقق أفضل استثمار لمنعكساته الفطرية.

طالما ذكرنا منعكسات رد الفعل، فلابد أن نذكر معجزة منعكس الخطو -الذي يجعل الطفل يحرك ساقيه وكأنما يخطو كلما لامست قدماه شيئًا ما- ذلك المنعكس الذي كان عصيًا على الفهم بالنسبة لي شخصيًّا، ولم أدرك لماذا يُخلق حديث الولادة بمنعكس يجعله يخطو وهو لم يمكنه الحبو أو الوقوف بعد؟! ليتضح لي في ما بعد أن هذا المنعكس يعمل عندما يوضع الطفل على بطن أمه، فيدفع جسده بقدميه ليصل إلى ثديها في الوقت نفسه الذي تقوم فيه قدماه الصغيرتان بتدليك بطن أمه ليساعد الرحم على طرد المشيمة والعودة إلى حجمه المطلوب، ويقلل من احتمالات نزف ما بعد الولادة! لا تعليق!

ثالثًا: الرضاعة ليست مؤلمة

خدعوك فقالوا: «استحملي، كلنا كنا كده».

أي ألم يصاحب الرضاعة فهو إشارة على وجود خلل ما يحتاج التدخل والتعديل. خلق الله الألم كإشارة تنبيه للإنسان لكي ينتبه لما يؤذيه، ويُعجل بالتدخل السريع قبل حدوث إصابة عميقة للجسد. فمن سوء الحكمة وخلل التقدير أن نظن بعملية فسيولوجية فطرية وطبيعية تمامًا مثل الرضاعة أن تكون مؤلمة بالفطرة! خاصةً لو أنها مسألة مستمرة لشهور وسنوات، ليست خطوة مؤقتة تتطلب صبرًا وجيزًا على الألم مثل الولادة.

آلام الثدي أثناء الرضاعة لها أسباب معروفة، ويمكن التعامل معها بسهولة، عن طريقة ضبط وضعية جسم الطفل مقابل جسم الأم، وتصحيح طريقة تعلقه بالثدي. فجسد الطفل يجب أن يكون مسنودًا بشكل مريح له ولأمه، وأن يكون رأسه وجسده على خط واحد مستقيم، ومواجه لبطن الأم وملاصق لها، حتى لا يضطر إلى إدارة عنقه نحو الثدي لكي يرضع. حاولي الآن أن تزدردي لعابك وأنت تديرين رأسك إلى اليمين أو اليسار وستلاحظين الصعوبة، بل والألم، ثم يزداد الطين بلّة لو حاولتِ رفع رأسك للأعلى أثناء إدارته لليمين أو اليسار. ستصبح عملية البلع مستحيلة تقريبًا، وهذا هو ما يحدث لو لم يكن جسم الطفل مستقيمًا ومواجهًا وملاصقًا ومسنودًا.

أما تعلق فم الطفل بالثدي، فيجب أن يحتوى الجزء الأكبر من الهالة البنية المحيطة بالحلمة. فالتعلق لو كان بالحلمة نفسها وكأنه يمص منها مثل شفاطة العصير، سيكون مؤلمًا بشدة للأم ومحبطًا جدًا للطفل، فوضعية «الشاليموه» هذه تجعل الطفل يفرك حلمة الثدي الرقيقة بين عظام فكيه في نفس الوقت الذي يجعله يسد عن نفسه قنوات ضخ اللبن، والتي تقع خلف الحلمات أسفل الهالة البنية. والنتيجة رضاعة مؤلمة للأم وغير مشبعة للطفل، تتركنا مع الثنائي الأشهر: أم متألمة، وطفل باكٍ.

مع تصحيح وضعية التعلق ليكون فم الطفل مفتوحًا بزاوية منفرجة بين الشفتين، بجزء أكبر من نسيج الثدي داخل فمه، والجزء الأسفل من الهالة البنية تقريبًا يختفي تمامًا داخل فمه، وتختفي معه مساحة غير صغيرة من الجزء العلوى للهالة البنية- سيتمكن الطفل من تدليك قنوات ضخ اللبن بفكيه ولسانه، وسيمكنك رؤية شفته السفلى منقلبة قليلًا للخارج، وسماع صوت بلعاته المنتظمة. وفي لحظة ساحرة سيختفي الألم ويظهر الامتنان على وجه طفلك فورًا، وكأنما يشكرك.

هذا الوضع الذي قد يبدو معقدًا، يحدث تلقائيًّا وفطريًّا تمامًا إذا نجحنا في استغلال الساعات الذهبية الأولى من عمر الطفل، وقمنا بتأجيل كل التدخلات غير العاجلة، أو على الأقل قمنا بها وهو في أحضان أمه وجلده ملاصق لجلدها. فما العجلة في استحمام الطفل في أول ساعة من عمره للتخلص من المواد التي كانت تحيط به وتقيه طيلة تسعة أشهر؟ لن أتطرق إلى الدراسات الحديثة التي تبحث فائدة تأجيل استحمام الطفل في ساعاته الأولى، وفوائد المادة الدهنية التي يولد بها على جسده، ولكن فقط أقول لماذا لا نؤجل كل ما هو غير طارئ طالما أن الحالة الصحية للطفل مستقرة، لكي نفوز برضعته الأولى مباشرة من ثدي أمه في الساعة الأولى من ولادته، وهو في كامل يقظته وتركيزه قبل أن يدخل في نعاس طويل؟

هذه التركيب المحكم من توظيف المنعكسات يفسد تمامًا باستخدام الرضّاعات الصناعية (الببرونة) أو السكاتة (اللهاية/ التيتينة)، حتى وإن كانت «الببرونة» تحتوي على لبن الأم. فكلاهما –الببرونة والتيتينة- يضرب آلية المص والبلع في صميمها، ويتسبب للطفل في خلط بين طريقة المص منهما من ناحية، وثدي الأم من ناحية أخرى، في ما يعرف باسم التباس الحلمات، الذي ينتهي برفض الطفل للرضاعة من أحدهما وعادة ما يكون الرفض من نصيب ثدي الأم، لنظن نحن خاطئين أنه قد قرر فطام نفسه، وما كان له أن يفعل. هذه العملية تكاد تكون حتمية الحدوث خاصة في الأيام الأولى من عمر الطفل، لكن بعض الأطفال يصيبهم التباس الحلمات بعد استخدام واحد من «الببرونة» أو «التيتينة» والبعض الآخر قد يبدي صمودًا مؤقتًا لعدد من الرضعات حتى يلتبس عليه الأمر، ويترك ثدي أمه. التخلص من التباس الحلمات، وإعادة الطفل إلى الرضاعة المباشرة من ثدي أمه عملية شاقة ومرهقة، ولكنها ممكنة. فإذا كنت تقرئين هذه السطور قبل استخدام «التيتينة» أو «الببرونة»، فدعيها فإنها مُفسدة. وإن كنت تقرئينها بعد تعرض طفلك لالتباس الحلمات فلا تيأسي من عودة طفلك إلى ثديك، وراجعي استشاري رضاعة طبيعية.

وكذلك عند استمرار آلام الثدي أيًّا كانت صفتها، فلا بد من الرجوع إلى استشاري رضاعة طبيعية.

أخيرًا، وليس آخرًا، أفضل غذاء لطفلك، هو ما خلقه الله خصيصًا له دونًا عن غيره من البشر. ولنا في هذا تفصيل برويّة إن كان في العمر بقية.