استعرت الشطر الأول من عنوان هذا المقال من كتاب «القدس.. تاريخ وهوية حضارية» للأستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم والذى يحكى تاريخ القدس على لسان المدينة بأسلوب قصصى شيق، ولكن مقالى اليوم ليس عن تاريخ القدس بل عن صفحات المأساة التى تتسارع فصولها أمام أعيننا الآن والتى يظن أعداؤنا أنها الفصول الختامية لتصفية قضية فلسطين التى ليس بعدها إلا الدوام الأبدى للقبضة الصهيونية على أرجائها.. وليس ذلك سعيا لزيادة المرارة وإنما أملا فى ازدياد الإصرار على أن الرواية لم تتم فصولا.

***

طوال مسيرة الحركة الصهيونية فى سعيها للاستيلاء على فلسطين.. كانت تسعى لكسب الدولة العظمى ــ فى وقتها ــ إلى جانبها.

ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد غروب الشمس عن الإمبراطورية البريطانية ركزت الصهيونية جهودها على كسب الولايات المتحدة ونجحت فى ذلك إلى حد كبير.. وجاءت ضربة الحظ الكبرى بوصول تيار اليمين المتطرف إلى الحكم بزعامة دونالد ترامب وهو التيار الذى يضم ما يسمى «بالمسيحية الصهيونية» المؤيدة – عقائديا – لقيام إسرائيل.. ومن هنا حِرصْ دونالد ترامب على إرضاء هذا التيار..

بعد أن أخذت السياسة الصهيونية التوسعية أهم الثمرات باعتراف أمريكا بالقدس بأكملها ــ شرقها وغربها ــ عاصمة أبدية لإسرائيل وبعد أن اطمأنت إسرائيل إلى غياب رد الفعل العربى والإسلامى.. شرعت فى تنفيذ خطط تفريغ الشطر الشرقى العربى من القدس من سكانه من خلال إصدارها «لقانون الولاء» أو بالأصح تعديل قانون عام 1952 الذى ينظم الدخول لإسرائيل بإضافة مادة تسمح لوزير الداخلية الإسرائيلى سحب حق الإقامة من أى فلسطينى مقيم فى القدس إذا ثبت عدم ولائه لإسرائيل (أى الطرد من القدس) وينص القانون على أن قرارات وزير الداخلية فى هذا الشأن غير قابلة للطعن أمام القضاء.. ولعل هذه هى أغرب وأشنع معاملة يتعرض لها شعب تحت الاحتلال.. وهى أن يكون مطالبا بإعلان الولاء للمحتل وألا يطرد من بلده.

وبإصدار إسرائيل لهذا القانون يصبح جميع المقدسيين العرب معرضين للطرد.. فالقانون لم يحدد ما هى مظاهر الولاء، لذا فمن السهل «اتهام» أى فلسطينى بأنه غير موال لإسرائيل.. ومن سخرية القدر أن يعامل سكان القدس العرب الذين عاشوا لآلاف السنين فى مدينتهم بقانون ينظم الدخول لإسرائيل شأنهم شأن الزوار الأجانب الحاصلين على إقامة مؤقتة فى بلد غير بلدهم.
منذ ضم إسرائيل للقدس على إثر احتلالها خلال نكبة 1967 ــ التى هى أشد وطأة من نكبة 1948 ــ قامت إسرائيل بإدخال 30 تعديلا على قانون «الدخول لإسرائيل» هذا بغرض التضييق على الفلسطينيين من أهالى القدس.
***
لقد قال أحد زعماء الصهاينة ــ وأظن أنه بن جوريون ــ إن هدفهم هو إنشاء دولة فى فلسطين تكون يهودية كما أن إنجلترا إنجليزية As Jewish As England is English ــ وذلك عندما كانت إنجلترا إنجليزية صافية قبل هجرة سكان المستعمرات إليها، وها هم يقتربون من تحقيق هذا الهدف، فقد صوت الكنيست الإسرائيلى على مشروع قانون يعرف باسم قانون القومية أو قانون يهودية الدولة؛ حيث يُعَرِفْ القانون الجديد إسرائيل بأنها الدولة القومية لليهود فقط وليس لجميع مواطنيها على عكس ما كان ينص عليه إعلان قيام دولة إسرائيل، كما يلغى مشروع القانون اللغة العربية باعتبارها لغة رسمية ثانية فى إسرائيل، وبذا تكون العبرية هى اللغة الرسمية الوحيدة، وينص على السماح بإقامة بلدات خاصة باليهود فقط أى لا يسكنها إلا اليهود.

وقد قالت الـ BBC فى تعليقها على الخبر أن القانون يسعى إلى أن تولى المحكمة العليا الطابع اليهودى للدولة الأهمية الأولى فى أحكامها وليس القيم الديمقراطية والمساواة عندما يحدث تناقض بينهما.

***

تخيلت ــ بعد سماع هذا الخبر ــ لو أن دولة مسلمة 20% من مواطنيها من غير المسلمين أعلنت أنه من الآن فصاعدا ووفقا للقانون فإنها تعد دولة للمسلمين فقط وليس لكل مواطنيها وأنه إذا تعارض الطابع الإسلامى للدولة مع قيم الديمقراطية والمساواة فعلى المحاكم أن تعلى الطابع الإسلامى.. فهل يشك أحد فى أن هذه الدولة ستصبح رسميا دولة عنصرية مخالفة لميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، وستتعرض لأشد أنواع العقوبات الدولية وستشن ضدها حملات إعلامية ضارية.. وقد تطرد من الأمم المتحدة.. ولكن إسرائيل ستبقى فى الأمم المتحدة بل وستحظى بعضوية مجلس الأمن لأول مرة فى تاريخها.

والدولة العنصرية الوحيدة ــ العنصرية بحكم قانونها وليس بالممارسة فقط ــ التى تمتعت بعضوية الأمم المتحدة لفترة ما حتى تم طردها هى جنوب إفريقيا إبان نظام الأبارتايد العنصرى، وها هى العنصرية الرسمية المقننة تعود إلى الأمم المتحدة.. (ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وجدتا قبل إنشاء الأمم المتحدة).

وقد تزامن مع صدور هذه القوانين العنصرية اتخاذ إجراءات للتضييق على الوجود المسيحى بالقدس، ففى قرار مفاجئ قامت بلدية القدس بمطالبة الكنائس بسداد فواتير المياه متجاهلة العرف السائد منذ أمد بعيد بإعفاء دور العبادة وقد بلغت المطالبات بأثر رجعى مع الفوائد ما قيمته 2.3 مليون دولار.. وتزامن ذلك الإجراء مع إعداد لجنة فى الكنيست لمشروع قانون يفرض ضرائب على أملاك الكنيسة بالمخالفة لاتفاقيات سابقة ولحقوق مستقرة.

والحجة التى استند إليها المشرعون اليهود – فى سعيهم لتقليص النفوذ المسيحى أيضا – هى أن المقصود من الإعفاءات هو النشاط الدينى فقط وليس الأنشطة التجارية وأن الكنائس لديها أنشطة تجارية وربحية وهى التى يستهدفها القانون..

وقد قال القادة المسيحيون إن الإجراء يهدد قدرتهم على ممارسة عملهم لأن موارد هذه الأنشطة توجه كلها للعمل الخيرى وتقديم الخدمات الاجتماعية.. لذا اتخذ زعماء الكنائس فى القدس إجراء غير مسبوق عندما قاموا بإغلاق أبواب كنيسة القيامة احتجاجا على الإجراءات الإسرائيلية التى وصفوها بأنها «محاولة لإضعاف الوجود المسيحى فى القدس»، كما جاء فى بيانهم واتهموا إسرائيل بشن هجوم ممنهج لم يسبق له مثيل على المسيحيين فى الأراضى المقدسة.

وأضاف البيان أن «مشروع القانون البغيض سيتيح لإسرائيل مصادرة أملاك الكنائس حيث قدرت الضرائب عليها بحوالى 650 مليون شيكل أى 186 مليون دولار وهو مبلغ تعجز الكنائس عن سداده».

واختتم زعماء الكنائس بيانهم بأن «هذه الإجراءات تذكرنا جميعا بقوانين مماثلة اتخذت ضد اليهود خلال فترة مظلمة فى أوروبا».

***
وإزاء رد فعل الكنائس القوى وغير المسبوق، سارعت إسرائيل بالتراجع وأوقفت اللجنة مداولاتها بشأن المشروع، كما نجحت سطوة الصهيونية العالمية فى التكتيم الإعلامى على الحدث، حتى لا تفقد تأييد اليمين المسيحى المتطرف المساند لترامب فى أمريكا.. وآثرت إسرائيل إمهال الوجود المسيحى بعض الوقت انتظارا للفرصة المواتية.

***

فى مقطع فيديو شاهدته على اليوتيوب حكى صائب عريقات فى برنامج المشهد مع جزيل خورى على قناة بى بى سى عربى أن بيل كلينتون عرض على عرفات عام 2001 مشروعا يتضمن دولة فلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية بأكملها وطلب من ياسر عرفات أن يعلن أن هيكل سليمان يقع تحت المسجد الأقصى، وأن عرفان قال لكلينتون: «وهل تشهد أنت بذلك»؟ فقام كلينتون وبحركة مسرحية ورفع يده كمن يقسمون فى المحكمة وقال «أنا وليام جيفرسون كلينتون أشهد أن هيكل سليمان يقع تحت المسجد الأقصى، فرد عرفات بخطاب حماسى ملأ الوفد الفلسطينى حماسة وسالت دموع عريقات، ورفضوا أن يأخذوا القدس بأكملها ودولة على حدود 1967 فى سبيل عدم الاعتراف بهيكل سليمان.. والآن أصبحت القدس بأقصاها وقيامتيها وهيكلها وأكملها ملكا لإسرائيل.

أقول للسيد صائب عريقات – الذى أحترمه وأقدر نضاله وإخلاصه وقدراته – يا ليتكم قبلتم مشروع كلينتون.. ويا ليتكم قبلتم قبل ذلك مشروع السادات وجلستم فى مفاوضات مينا هاوس عندما كان عدد المستوطنين لا يزيد على عشرة آلاف.. وياليتكم قبلتم قبل هذا وذلك مشروع التقسيم..

وأقول لزعماء الدول العربية والإسلامية إنه من المهم ألا نستهين بالقدس.. فالقدس هى التى مكنت الصهيونية من إقامة الدولة اليهودية من خلال استغلال مشاعر اليهود تجاه القدس.. كان اليهود فى الشتات عندما يتبادلون التهانئ يقولون «السنة القادمة فى القدس»Next Year in Jerusalem.. كما نقول نحن كل عام وأنتم بخير.