لا يعرف الكثير من أصدقائى النطق الصحيح لاسم الكاتبة العراقية أنعام كجه جى التى تسخر دائما من طريقة نطق الاسم وتبادر بتصحيحه وهو ما يلزمها بالحديث عن جذوره وعن العراق الذى غادرته منذ زمن بعيد وتريد أن تستعيده فى كل جملة تنطقها أو تكتبها.

ومنذ أن عرفت أنعام لأول مرة فى العام 2008 مع وصول روايتها «الحفيدة الأمريكية» للقائمة القصيرة لجائزة البوكر وإن أدرك أنها تهيأ نفسها لمشروع روائى واضح المعالم يقوم قبل كل شىء على إعادة رواية تاريخ العراق الحديث والمعاصر من خلال تاريخ نسائه.

ويحدث أحيانًا أن تستند فى هذا السعى لعملية تخييل روائى يعود لأرشيف شخصية حقيقية لها وجود متعين لكنها خلال عملية السرد تشيد عالمها الذى يتيح لها النظر والتأمل فيما مضى وما سيأتى وهو ما يدفع بالقارئ دائما للدخول فى صراع لفض الالتباس بين ما هو واقعى وما هو متخيل.

فعلت أنعام ذلك بكفاءة فى روايتها (طشارى / دار الجديد 2014) التى انطلقت فيها من تجربة أول طبيبة نساء عراقية قدر لها أن تغادر وطنها كلاجئة مسيحية تلتقى بالرئيس الفرنسى كحالة دالة على مخاطر التطهير الطائفى الذى تعرض له العراق لكن حواراتها مع حفيد لها فى باريس تنغص عليها هذا المصير وتجدد جرح هويتها الغائر.

وفى روايتها الجديدة (النبيذة / دار الجديد / 2017) نحن أمام روايتين متجاورتين عن العراق، الأولى تستند لتاريخ «تاج الملوك» الصحفية التى عاشت فى أربعينيات القرن الماضى كنموذج لامرأة متحررة خرجت من بلادها لأنها انحازت للمقموعين وراحت لكراتشى لتعمل فى إذاعتها العربية وهنا التقت بحبها الوحيد عصام البادى الفلسطينى زميلها فى الإذاعة الذى فقدته وخاضت مغامرة أخرى بعده وأما الرواية الثانية فهى لـ«وديان» عازفة الكمان التى خرجت مقهورة فى التسعينيات بعد أصر ابن «الشيخ» على أن يصيبها بالصمم لأنها لم ترحب بعلاقة معه

وفى باريس التقت «تاج ووديان» ونمت بينهما صداقة نفهم دوافعها وأسبابها فى نسيج السرد، فالأولى عاشت منفى أكبر من عمر الثانية لكن كل منهما هجرت ماضيا لم يتركها، عاشت تاجى بالحب وأعادت تشييده بالرسائل التى تضعها تحت سريرها لتقرأها لـ«وديان» التى ماتت من دونه بعد أن تيبست أيامها، لكنها أخلصت فى رعاية تاج خلال مرضها فى أحد مستشفيات باريس وقبل أن تفارق الحياة تسر لها بتجارب حياتها كلها والتى اعتمد فى معظمها على جسد جرىء نهم تفخر بما قدم حتى وهى تودع رغباتها على سرير يجاور غرفة المناضل الجزائرى أحمد بن بلا الذى كلفت بتصفيته بعد زواجها من أحد عملاء المخابرات الفرنسية.

ظاهريا تبدو وديان الرومانسية نقيض تاج المرأة الحسية التى كان شعارها «اعترف بأننى قد عشت» لكنهما فى الحقيقة كاشفتان عن التحول الذى أصاب العراق وانتهى فى هذا المنفى البعيد.

ودون استغراق فى التفاصيل تبدو الرواية التى كانت بحاجة لبعض الجرأة فى تناول موضوع الجنس أو ملامسة موضوع الخوف من البعث أقرب لنشيد طويل فى مديح الخسارة وبحث روحى يتقصى أسباب عجز مجتمعاتنا العربية عن التقدم للأمام.

أن ما تكتبه أنعام كجه جى فى مشروعها على اكتمال معالمه هو ترميم شجى لذاكرة تحترف الفقد واستكمال عذب لما رسخته نصوص المراثى فى الذاكرة العراقية، فالخسارة كما الشتات تطال الجميع، وكل ما تفعله فى سرديتها الصغيرة أنها تشيع كل خطابات النهضة وتحرر المرأة العربية وتحرر الوطن وتحرر فلسطين وربما ثورات الربيع، عبر وقفة طويلة لتأمل انكسار المعانى والأفكار وفضح شهوة انظمتنا الذكورية فى اغتصاب الأرواح ومقاومة أنوثة المعنى.