يواجه الأردن اليوم أخطر أزمنته، وثمّة إدراك ملكي ووطني بأنّ البلد مقبلٌ على خيارات صعبة. لذا لن يكون هناك ترف بالانتظار، ويجب الاستعداد والحفاظ على التماسك والنسيج الوطني والحريات العامة وتبديل الخيارات في العلاقات السياسية الخارجية، وعدم اتباع سياسات الترضية.

يُبدي الأردنيون اليوم إيماناً عميقاً بالدولة، ووجوب بقائها صامدة. ألقت رياح الربيع العربي التي خرجوا معها بين عامي 2011 – 2014 ظِلالا كبيرة على بلدهم المثقل بالتحديات، وفي نهايات الربيع العربي التي آلت إليها سورياً ويمنياً ومصرياً وتونسياً، دروس وعظات، لكن الأردنيين اليوم يعودون، بعدما نفضت الثورات العربية أوطانها، وأحالتها إلى فوضى ووعود بعودة الحراك الحريص على الدولة، الوطن، واستدعاء التاريخ إلى الراهن المليء بالجدل والغضب والوعود التنموية والإصلاحية المؤجلة، أو التي تأخرت، وفشل النخب.
المؤسسة الملكية اليوم أكثر رسوخاً من أي وقت، مهما سمعنا من مشاهد وشعارات وخروقات وسقوف عالية، فالملك يبدو مستعداً لإعادة الاستدارة إلى الداخل، والتحصن بالمجتمع، لكن حاشية متكلفة تعيق هذه الاستدارة، وتبحث عن مصالحها، كما يرى الشارع.
تزداد حاجة الحكم للاستدارة نحو الداخل، بعدما تجاوز الجوار العربي عن دور الأردن الذي كان يدافع عن قضايا العرب أمام الغرب، وبعدما انبرى قادةٌ عربٌ للتجرؤ على التفاوض بشأن المصير الفلسطيني المشترك أردنياً. آنذاك، حين شعر الأردنيون بأن ثمّة من يمدُّ يده في صحن القضية الفلسطينية، من غير “أهل الدار” الأردنية والفلسطينية، طار الملك إلى قمة التعاون الإسلامي، وصعدَ في الخطاب، لكنه ما لبث أن وجدَ نفسه وحيداً من دون صداقات الأمس في مواجهة أميركا “الترامبية” الواثبة نحو تصفية القدس، وبتأييد عربي.
هل كان الأردن قادرا على التصعيد في وجه الترامبية العربية الأميركية المشتركة، بعد قرار ترامب، وبعد ما وصلت إليه الرسائل العربية غير الداعمة؟ الجواب، لم يذهب الأردن أكثر مما ذهب إليه، إذ وجد أنه وحيد في صف عربي ممزّق، يهرول بفجاجةٍ نحو إسرائيل، وكان
“أزمة الأردن، بنظر الشارع المُحتج، هي مع رجال الملك وحكوماته، وبعض القيادات التي خطفت البلد، وخصوصا النخب النابتة حديثاً”

الأفضل للأردن أن لا يعيد التلويح كثيراً في مسألة الوصاية الهاشمية على المقدسات، وهو ما تمّ، وصار الشارع المتحرّك غضباً ضد الجيران العرب، وهم حلفاء الأمس في صف الاعتدال، يستعيد خروجه السابق في زمن الربيع العربي، وتعود الوقفات الاحتجاجية الناقدة للحكومات ويصل الأمر إلى الملك. وإذا سألنا لماذا هذه الانتقالة من القضية الأهم عربياً فلسطين، إلى المحلية المفرطة، لكان الجواب أن الأردن، من الناحية الداخلية، دمرت حكومته بقرارات رفع الأسعار كل ما بناه ملك البلاد في موضوع القدس. وهكذا استفاق الناس على نهارٍ صعب اقتصاديا، وعلى أوجاع موروثة بالفساد والعجز وارتفاع الدين الذي تكافح حكومة هاني الملقي لتثبيته، وصار شماعة رفع الأسعار.
كانت صدمة القدس ثم الصحوة الشعبية منها بقرارت اقتصادية صعبة، وسقوط لمجلس النواب، وفشل في طرح الثقة بالحكومة، لكن الملك الذي وصلت إليه كل الفيديوهات، وكلام الناس الجارح، وافق على تعديل حكومة هاني الملقي، أملاً بأن يمتصَ التعديل السادس أزمة الحكومة التي تواجه تحدياتٍ كبيرة، وهنا يبدو الملك ما زال متمسكاً بخيار الملقي إلى حين.
لكن الأصعب هو رئيس الحكومة المتمسك بموقعه، كي لا يُقال إنه هرب من مسؤولياته، بعد القرارات التي اتخذتها حكومته، ومعه حق بذلك، وقد عبر عن مسؤولياته تجاه كل قراراته من دون مواربة وتجميل، لكنه وجد الناس متمسكين بالشارع والخروج في رد مماثل. وفي هذا الخروج، يجري استدعاء التاريخ والأبطال الوطنيين والشهداء، وصفي التل وحابس المجالي وهزاع المجالي وراشد الزيود ومعاذ الكساسبة وغيرهم، في مقابل رجال الملك. ويجري استدعاء نماذج النزاهة في إدارة البلد من الشرفاء، ويصل الحد إلى تذكير قبيلة بني حسن بأنهم القبيلة التي شاركت مع صلاح الدين بتحرير القدس من الصليبيين. وفي الكرك تُستعاد ذاكرة “الهية” باعتبارها حركة مقاومة للحكم التركي، ويصبح لها ورثة وصفحة على “فيسبوك” بعوان ورثة “الهية”. وفي السلط أيضا تجري المشهدية نفسها.
يُستحضر ذلك التاريخ المجيد كله لتعزية الناس بحاضرهم الذي يرون فيه، ومن خلال خطاباتهم الليلية، أنه يفتقد أي انتصار حكومي على الفقر أو البطالة أو الفساد، إنه حاضر مهزوم بامتياز. تعود فيه موجة من رسائل “واتساب” المرسلة بصيغة بياناتٍ تخاطب الملك بوجوب الإصلاح وتغيير بطانته، وتوظيف رصيد عمه الأمير الحسن الذي ينظر إليه شعبياً “العود”، أي الرجل الكبير الذي يعاد إليه بالأمر، وقديماً قالت العرب: “معاوية عود العرب”.
هنا يشير رئيس الديوان الملكي، فايز الطراونة، أو يرتب زيارات للملك لتجمعات مع متقاعدين عسكريين وشيوخ قبائل، فلقاءاته أخيرا في الجنوب في معان والطفيلة والكرك وقبلها إربد، وما بينها السلط، مع نخب عسكرية، ثمّ مع وجهاء من بني صخر، القبيلة الأشدّ تحالفاً مع الدولة، منذ قيامها، وكذلك مع قبيلة الحويطات في معان، وهم أول من استقبل الهاشميين، في ثورتهم، تقول ضمناً إن الملك قادر على استعادة ورقة العشائر التي قيل إنها حمت الحكم مرات من السقوط في تاريخه المعاصر.
لكن الأزمة اليوم ليست مع الملك، ولا مع العائلة الهاشمية التي صاهرت الأردنيين، ولم تحتجب عنهم، ولم يُعرف عنها العنف، بل حولت الوطن الأردني إلى واحة يفيء إليها كل لاجئ وهارب بعرضه ودينه، وهو بلد الكفاءات، والوطن المتبقي وحيداً مكتملاً من دون حروب وتمزق، بعد مائة عام على ولادة أوطان بلاد الشام.
أزمة الأردن، بنظر الشارع المُحتج، هي مع رجال الملك وحكوماته، وبعض القيادات التي خطفت البلد، وخصوصا النخب النابتة حديثاً، والتي تثأر اليوم من كل أردني شريف، وشوّهت كل أردني محافظ، حتى يقال إنه لم يخدم أردني من طبقة المحافظين، سواء كان من أصل فلسطيني أو شرق أردني، في العمل العام، إلا وأخرجوه فاسداً، أو وسم بأنه خذل الملك وقصّر. ألم يَقُل عبدالله النسور عن حسين المجالي حين أقاله من وزارة الداخلية إنه “مُقصّر”؟ ألم يَخرج خالد الصرايرة من قيادة الجيش أكثر حرجاً؟ ألم يُقَل إن عبد الرؤوف الراوبدة محافظ أكثر من اللازم ومتأخر عن الملك، ولا يحب الإصلاح، ألم يُقل إن عون الخصاونة يريد ولاية عامة ليست له؟ ألم يُعزل سليمان الحافظ من إدارة محفظة الضمان الاجتماعي لصالح سهير العلي القريبة من تيار الليبراليين؟ ألم يخرج محمد الذنيبات من وزارة التربية، بعد إصلاحات

“المؤسسة الملكية اليوم أكثر رسوخاً من أي وقت، مهما سمعنا من مشاهد وشعارات وخروقات وسقوف عالية، فالملك يبدو مستعداً لإعادة الاستدارة إلى الداخل، والتحصن بالمجتمع”

كبيرة، لصالح نفس ليبرالي أيضاً، حيث كانت معركة المناهج وسماً له؟ ألم يُقل إن طاهر المصري اتهم بأنه اشتكى ضياع حقوق الفلسطينيين لقائد عربي، وهو كلام عارٍ من الصحة؟ ألا يحسدون فايز الطراونة على صموده في رئاسة الديوان الملكي، ويقدحون فيه من زاوية أنه محافظ، ووقف أخيرا ضد تعديل مهم في مكتب الملك، ليأتي عناده بابن عائلة وذي صفات وطنية عالية في مقابل ما كان مطروحا من وجه ليبرالي، وهولاء كلهم رجال زمن الحسين والملك عبدالله، وهم وطنيون وغيارى على بلدهم وملكهم.
للأسف، هذا هو النقاش الذي يدور في المجالس الخاصة وبين النخب، وانتقل إلى الشارع. وفي الحقيقة ثمة نادٍ عنوانه رجال المال، يريد ضرب الملك بقواعده ورجال أبيه، وإقناعه بأن بعض الأردنيين لا ينفعون لزمنه. كل هذا وذاك يعيه الناس، وبات يعيه الملك الذي عرف ويعرف عسكرييّ الأردن ومتقاعديهم حق المعرفة، ويدرك أن ثمة نخبا مالية تقول كلاماً معسولاً أمامه، وتذهب إلى السفارة الأميركية وتقول العكس.
يواجه الأردن اليوم أخطر أزمنته، وثمّة إدراك ملكي ووطني عام بأنّ البلد مقبلٌ على خيارات صعبة. لذا لن يكون هناك ترف بالانتظار، ويجب الاستعداد والحفاظ على التماسك والنسيج الوطني والحريات العامة وتبديل الخيارات في العلاقات السياسية الخارجية، وعدم اتباع سياسات الترضية. فالكرك، المدينة التي منها اليوم رئيس ديوان ملكي ورئيس مجلس نواب ونائب رئيس حكومة، ووزراء أربعة، وأعيان خمسة، على الرغم من كل هذا التمثيل لها، إلا أنها مثل شقيقتها السلط، الممثلة بالحكم والدولة أيضاً بحجم كبير، إلا أنهما في أعلى مراتب الغضب والاحتجاج، لكنه غضبٌ على نهج اقتصادي وسياسات حكومية، وحاشية يقال عنها إنها فاسدة، ونخب ليبرالية النهج ومتوحشة.