القلق والتوتر والاكتئاب من الحالات المزاجية التي يكرهها البشر، ولا يرون منها سوى الجوانب السلبية عادةً، وذلك لما تؤثر به تلك الحالات المزاجية على حيواتهم بشكل عكسي وتمنعهم من ممارسة الحياة الطبيعية إن زادت عن الحد المسموح. ولكن مازال البعض لا يعيي أن للقلق فوائد عديدة من شأنها أن تنقذ حياة أشخاص في بعض الأحيان. لذلك وجب التنويه على أن حديثنا في هذا المقال عن فوائد القلق الطبيعي المعتدل، وليس القلق المَرضي الذي يمنع أصحابه من الحركة والتفاعل.

فالقلق هو أحد أهم المشاعر التي لا نرى منها إلا الجانب السيئ في معظم الأحيان، كما يحتل القلق مكانة خاصة ما بين التوتر والاكتئاب في قائمة مسببات الأمراض، ولكن طبقًا للأبحاث العلمية وما أظهرته الدراسات الفرنسية الحديثة والمنشورة على موقع تلغراف، فالقلق والمشاعر هما المحركان الأساسيان للبشر. كما أنه قد يعد حاسةً سادسة تعمل على تنبية الأشخاص في مواقف الخطر؛ وذلك لأن العقل البشري القلق يصبح قادرًا على رصد التهديدات الاجتماعية بصورة سريعة وتلقائية خلال ما يقارب ٢٠٠ جزء من الثانية.

وقد اكتشف الباحثون أن الطلاب الذين تصاحبهم متلازمة القلق خلال الإمتحانات أو المسابقات وغيرها تكون لديهم حوافز أكثر من أقرانهم الذين لا يقلقون على الإطلاق، وبطبيعة الحال فقد انعكس ذلك على نتائج الطلاب،فحصل الطلاب القلقين على درجات أعلى من غيرهم، فضلًا عن إجابات أكثر دِقة؛ وذلك لأن القلق يساعد الطلاب على المذاكرة بشكلٍ أفضل والاستيعاب بصورةٍ أسرع؛ بفضل إفراز جسم الإنسان القلق هرمون الكورتيزون، والذي يجعل الإنسان أكثر قدرة على التركيز ليعمل العقل بأقصى طاقته، ويحصل معلومات أكثر لم يكن له أن يستوعبها في الحالات الطبيعية. حتى وإن كان الاستيعاب محدودًا لفترة الامتحانات أو مايوازيها.

فمن فوائد القلق أنه يجعل ذهنك حاضرًا في كل الأوقات، خاصةً وإن كان الموضوع يتعلق بما يشغلك أنت شخصيًا؛ فيزيد طاقة عملك، ويحفزك على اختصار الوقت وإتمام المهام بأسرع وأدق ما يمكن.

للقلق أيضًا أن يصرفك عما يؤذيك؛ لأنك عندما تقلق يتم تحفيز عقلك لعمل خطوات استباقية احترازية تلزمك بمعايير الأمان فيما يؤدي بدوره لتفادي الضرر والتعامل معه بطريقة مثلى إن وقع الضرر لا قدر الله. ومن بعض الأمثلة على ذلك: أن الأشخاص القلقين دائمًا ما يضعون حزام الأمان وخوذة الدرجات الهوائية أكثر من غيرهم، وبالتالي يتعرضون لحوادث وأضرار أقل. ولا نتحدث في هذا المقام عن الأشخاص الذين يضعون حزام الأمان لتطبيق القانون لا أكثر.

كما أن السيدات القلوقات وخاصة من الأمراض المفاجئة كالسرطانات والأورام على سبيل المثال يُخضعن أنفسهن للفحص من وقت لآخر فيؤدي ذلك إلى اكتشاف الأمراض مبكرًا وتفادي مضاعفاتها والسيطرة عليها.

للقلق أيضًا أن يعمل على تحسين تصرفاتك ويقلل من شعورك بالندم لأنك تفكر في أفعالك أكثر من مرة، كما أن الشخص القلوق هو الأفضل دائمًا لإسداء النصائح لأنه هو من يرى الأمور من الجانبين، ويذكر كيفية تفادي الأضرار قبل جلب المنافع.

كما يجعلك منك القلق إنسانًا مؤهلًا لكسب ثقة الآخرين؛ لأنهم يروا فيك إنسانًا منتجًا أكثر استفادةً من الوقت وصاحب رد فعلٍ سريع ومالك الحلول المُثلى للمشاكل؛ مما يزيد فرص ثقتهم بك عن غير وعي. فالقلقون أصحاب ردات فعل سريعة وتلقائية، إما بالردع، أو المقاومة، مقارنةً بالأشخاص المتراخين.

يساعدك القلق على التفكير في المستقبل والتخطيط له بأفضل صورة ممكنة، فتعيش حياتك طبقًا لخطط مسبقة تجنبك الكثير من المشاكل والأضرار المستقبلية.

يساعدم القلق على المصارحة بمشاعرك ولا يجعل منك إنسانًا مكبوتًا، فهو يمكنك من إخراج مكنونات صدرك أولًا بأول. كما أنه لا يجعل منك إنسانًا منافقًا، لأن الإنسان القلوق يعبر عن مشاعره بمصداقية سواءًا بالسلب أو الإيجاب فهو عادةً لا يهتم بآراء الآخرين لما يشغله باله من قرارات أهم.

للقلق أن يجعل منك قياديًا أفضل لأنه يجعل ذهنك حاضرًا ومهتمًا بأدق التفاصيل، كما أنه لا يجعلك تكرر أخطاء الماضي مرتين.

للقلق معانٍ أخرى منها أنك أكثر تطورًا وأكثر حرصًا على الوقت، فالأجيال القلوقة كانت أكثر بناءًا للحضارات عن غيرها، فقد كانت الحضارة المصرية القديمة أكثر تطورًا واطلاعًا؛ وذلك لقلق الفراعنة من الموت وما بعد الموت، فكانوا يعملون له كل ما يؤهلهم لاستقباله بصورةٍ أفضل، ومن ذلك كتاب الموتى وتشييد الأهرامات وبناء المقابر الملكية والتحنيط وغيرها، وكلها أمورٌ لم يكن يعلم بها أحد. أما الحضارة الرومانية فقد كان أكثر ما يقلقهم هو الحروب والتوسع وفرض السيطرة؛ لذلك شيدوا القلاع وجهزوا الجيوش وغزوا مساحات كبيرة جدًا من العالم، أما الصينيون فكان قلقهم من الغزو الواقع عليهم من جنكيز خان؛ فقاموا ببناء سور الصين العظيم الذي غير مكانتهم في العالم كله. كل هذا أدى إلى تفادي أضرارٍ كثيرة منها اندثار الحضارة والتقاعص عن التطور.

كما أن القلق قد يكون سبب لسعادتك أحيانًا، فإن وقع ما كنت تقلق بشأنه فلا يؤثر على حالتك المزاجية بسوء بالغ؛ وذلك لأنك توقعته وأعددت له خطة بديلة، فتكون أفضل ممن لم يتوقع حدوث الأسوأ. وإن لم يحدث ما قلقت بشأنه فأنت في فرحٍ عارم لأنك تفاديت مساوئه. لذلك فأنت دائمًا الفائز إن أحسنت ترويض قلقك، وعلى هذا حاول أن تستخدم أوقات قلقك فيما ينفع ولن تندم!

شاركونا بآرائكم.. دُمتم في نَعيم.