رأى بعض المراقبين فى إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن فرض ضرائب جمركية على واردات بلاده من الحديد والصلب ( ٢٥ ٪) والألومنيوم (١٠٪)، وتهديد الاتحاد الأوروبى فى المقابل بفرض رسوم مضادة على وارداته من بعض السلع الأمريكية، بداية لحروب تجارية قادمة لن تقتصر آثارها على هذين القطبين الاقتصاديين، بل ستشمل أيضا الصين ودول آسيا الأخرى وكذلك أمريكا اللاتينية. خاصة، وأن هذه الإجراءات الأمريكية كانت فى نظر الكثير من المراقبين رسالة موجهة بالأساس إلى الصين (رغم أن الصادرات الصينية من الحديد والألومنيوم للولايات المتحدة لا تمثل نسبة يعتد بها مقارنة بما تصدره دول أخرى). حيث اعتبر هؤلاء المراقبون هذه القرارات مجرد بداية أو تمهيد لقرارات قادمة أشد وطأة وضد المنتجات والسلع الصينية بالتحديد، الأمر الذى لم يخف على المسئولين الصينيين وحملهم على انتقاد هذه القرارات.

ورغم أنه من المبكر الجزم بنشوب حروب تجارية فى المستقبل القريب، إلا أن العديد من الشواهد والمؤشرات تشى ببدايات تحول فى العلاقات التجارية الدولية من مبادئ وقواعد «التجارة الحرة» كما عرفها العالم طيلة الأعوام والعقود السابقة، إلى شكل جديد من أشكال الحماية «الوطنية/ القومية» لاقتصاد كل دولة (الولايات المتحدة) أو مجموعة دول (الاتحاد الأوروبى). المفارقة التاريخية هنا، أن كلا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كانتا من أشد الدول مناداة بتطبيق مبدأ «حرية التجارة» على دول العالم المختلفة حين كانت صناعات هاتين الدولتين فى حالة نمو وتوسع فى منتصف القرن الثامن عشر بعد الثورة الصناعية الأولى، وكانتا تبحثان عن مزيد من الأسواق الخارجية لتصريف الفائض من منتجاتهما عن احتياجات أسواقهما المحلية. وقد وصل بهما الأمر إلى حد إعلان الحرب على الدول التى كانت ترفض فتح أسواقها أمام منتجاتهما وبضائعهما وبحجة تطبيق مبدأ «حرية التجارة». وكانت أشهر هذه الحروب ما عرف تاريخيا باسم حرب الأفيون الأولى ( ١٨٣٩ــ١٨٤٢)، ثم حرب الأفيون الثانية (١٨٥٦ــ١٨٦٠ )، فى منتصف القرن التاسع عشر، والتى قامت خلالها العديد من الدول الغربية كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها بإجبار الصين على فتح أسواقها أمام السلع والمنتجات الغربية، بما فى ذلك الأفيون، بدعوى تطبيق مبدأ «حرية التجارة»، ومن هنا جاءت التسمية. وقد ظل نظام «التجارة الحرة» هذا مفروضا من الدول الصناعية الغربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وإن اتخذ أحيانا أشكالا ومسميات أخرى، مثل «العولمة» أو «الليبرالية الجديدة» أو غيره.

ولكن هذا المشروع الغربى الذى بدأ مع الصين بحرب الأفيون كما ذكرنا، بدأ يشهد نهاياته أيضا على يد الصين، والتى أصبحت اليوم ثانى أكبر اقتصاد فى العالم ( ١١ تريليون دولار أو ١٤،٨٪ من الاقتصاد العالمى). هذا التحول فى الاقتصاد العالمى لم يقتصر فقط على الصين، ولكن على العديد من الدول الآسيوية الأخرى التى كانت سوقا للغرب وأصبحت اليوم منافسا له. فاليابان اليوم هى ثالثة أكبر اقتصاد ( ٤،٤ تريليون دولار أو ٥،٩٪ من الاقتصاد العالمى)، والهند السابعة ( ٢،١ تريليون دولار أو ٢،٨٪ من الاقتصاد العالمى) طبقا لأرقام عام ٢٠١٥، ويضاف إليهما ماليزيا وتايلاند وسنغافورة وكوريا الجنوبية. وعليه فقد أصبح شرق آسيا اليوم هو مركز ثقل الاقتصاد العالمى، وليس غرب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وكان من أبرز مظاهر هذا التحول ما تشهده الأسواق الأوروبية والأمريكية من تدفق السلع والمنتجات الآسيوية، وخاصة الصينية، حتى وصل العجز فى الميزان التجارى الأمريكى العام الماضى إلى نحو ٦٠٠ مليار دولار منها ٣٧٥ مليار دولار مع الصين وحدها. وأدى تطبيق سياسة «حرية التجارة» هذه إلى إفلاس العديد من الشركات والمصانع الأمريكية والأوروبية، وبدء المناداة بحماية الصناعات الوطنية وفرض القيود والرسوم الجمركية على الواردات الأجنبية فى خرق واضح وصريح لمبدأ «حرية التجارة».

هذا، وإذا أضفنا لما سبق انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبى، ونتائج الانتخابات النيابية الأخيرة فى إيطاليا، نجد أنه فى كلتا الحالتين، كان المنتصرون من دعاة «المصلحة الاقتصادية القومية أولا»، وقد أنحوا بالمسئولية على «حرية التجارة» فيما أصاب بلادهم من تدهور اقتصادى وتفاقم البطالة نتيجة لتدفق اللاجئين والمهاجرين على أسواق العمل ببلدانهم، مع دخول السلع والمنتجات الأرخص ثمنا. وفى المقابل انحسر التأييد لمبادئ «التجارة الحرة». وهو التأييد المرشح للامتداد فى بعض الدول الأوروبية الأخرى، وحتى فى فرنسا وألمانيا حيث ما زال أنصار التيار القومى الاقتصادى يمثلون قوة لابد وأن تؤخذ فى الاعتبار فى أى انتخابات قادمة. ولذلك، فإنه من المنتظر أن تتبع القرارات الأمريكية الأخيرة سلسلة من الإجراءات والإجراءات المضادة، وبدء عملية تراجع واضحة من بعض الدول الغربية عن بعض مبادئ النظام الاقتصادى الدولى التى حاولت هى ذاتها العمل على ترسيخه حين كان لها مصلحة فى ذلك.

وحتى تكتمل فصول المفارقة التاريخية، فقد أصبحت الصين اليوم من أشد أنصار مبدأ «حرية التجارة» وإزالة الحواجز وفتح الأسواق بين الدول من أجل تشجيع التجارة العالمية، وحل الرئيس الصينى شى جينبنج كضيف الشرف الرئيسى على منتدى دافوس الاقتصادى العالمى الشهير فى سويسرا فى العام الماضى، بعد أن أصبحت الصين اليوم، ومع الدول الأسيوية الصاعدة اقتصاديا، هم نصراء «العولمة» و«حرية التجارة»، وليس الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة. وإذا أخذنا فى الاعتبار المؤشرات التى تذهب إلى استمرار نمو الاقتصاديات الآسيوية ــ حيث من المنتظر أن تصبح الصين فى خلال عقدين أو ثلاثة أكبر اقتصاد فى العالم، مع تقدم الهند للمركز الرابع وتراجع كل من الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية عن مركزها الحالى ــ فإن هذه الدول الآسيوية وعلى رأسها الصين ستمضى قدما وبقوة نحو مزيد من الانفتاح والعولمة وإبرام اتفاقيات متعددة الأطراف للتجارة الحرة، كما حدث أخيرا حين وقعت إحدى عشرة دولة مطلة على المحيط الهادى بقيادة الصين على اتفاق للتجارة الحرة خاص بهم، فى تجاهل واضح للولايات المتحدة الأمريكية التى سبق وانسحبت منها.

وبذلك أصبح العالم يتجه الآن إلى دول تعمل على بناء اقتصادها خارج إطار مبادئ «التجارة الحرة»، كالولايات المتحدة وبريطانيا ومن سيحذو حذوهما فى المستقبل، ودول تتجمع فى إطار اتفاقيات جماعية للتجارة الحرة كتجمع دول المحيط الهادى الأخير هذا، أو الميركيسور فى أمريكا اللاتينية أو غيرها. أما الاتحاد الأوروبى، فإنه يسعى جاهدا لإنقاذ نفسه عن طريق تعزيز وتقوية نفسه ببعض الخطوات الإصلاحية والاندماجية التى تدعمها كل من فرنسا وألمانيا، إلا أنها تواجه بمعارضة شديدة من دول شرق وجنوب أوروبا. فهل ستنجح كل هذه التجمعات والدول فى التوصل لعلاقات تجارية تخدم مصالحها ودون الاصطدام ببعضها البعض؟ هذا ما نأمله.