ما إن أعلن عن وفاة العلم الفيزيائي ستيفن هوكنج حتى بدأت المعركة بين أوساط الشباب العربي والإسلامي بمختلف أطيافهم الفكرية والأيدلوجية، ما بين معظم له ولما تركه من علم نافع للإنسانية، حتى أن بعضهم أوجب له الجنة ودعى له بالرحمة والقبول والمغفرة، وآخرين تقمصوا دور الإله أيضا وأوجبوا له النار قطعًا بسبب إلحاده وإنكاره لوجود خالق وإله.

والحقيقة أن هوكنج أثرى الإنسانية جمعاء بعلومه واكتشافاته وضرب نموذجًا فريدًا في صبره ومثابرته وعزمه وشغفه في تحقيق طموحاته العليمة والمعرفية، بالرغم من إعاقته الجسدية.

وديننا الإسلام حث على أخذ الحكمة من أي شخص أيًا كان أصله ودينه ولونه ونسبه؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحكمة ضالة المؤمن؛ فحيث وجدها فهو أحق بها. وقال تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا. فجدير على المسلمين بكافة أطيافهم الفكرية، وانتماءاتهم المذهبية، أن يأخذوا العلم والمعرفة والحكمة من العالم هوكنج، وأن يستفيدوا منه، ومن علمه، وإصراره، وشغفه، حتى وإن كان ملحدًا ينكر وجود الإله.

ولكن الشيء المهم الذي يجب أن يتنبه له الجميع أنه – وبشكل عام – على الرغم من أن الغرب يسبقنا نحن كمسلمين بمليارات السنوات الضوئية في الحضارة والمعرفة وفي كل شيء، وأننا كمسلمين وضعنا يرثى له، فنحن في انحطاط – وللأسف – حضاري وأخلاقي، وحتى ديني، ما بين منسلخ تمامًا عن الدين شكلًا ومضمونًا، وما بين متاجر به لتحقيق مصالحه الشخصية والحزبية والدنيوية.

ولكن يجب أن لا نغفل عن أمر مهم جدًا، وهو أن الكثير من علماء الغرب يسقون المعرفة والعلم بتضمينها مبدأً وفكرًا إلحاديًا ينكر وجود إله وخالق لهذا الكون، وهذه كارثة كبرى على الإنسانية جمعاء. فالحضارة والعلم والمعرفة والتطور التكنولوجي لا – ولن – يغني عن الإيمان بالله جل وعلا خالق هذا الكون ومدبره ومبدعه ومصممه، والأصل أن هذه الأشياء مجرد أدوات للبحث عن الله جل وعلا، والوصول إليه والإيمان به، حيث قال الله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق.

والحقيقة أن القرآن الكريم أخبرنا عن كثير من الحضارات التي قامت على العلم والمعرفة والقوة، والتي ما زالت آثارها موجودة حتى يومنا هذا، إلا انها أنكرت وجود الإله؛ فعاقبها الله جل وعلا بالهلاك والخسران في الدنيا والآخرة.

فقوم عاد مثلًا اشتهروا بالهندسة العمرانية والحضارة القوية، حيث قال الله فيهم: إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد. ولكن لم تغنهم حضارتهم وقوتهم وعمرانهم من الله شيئًا؛ فأهلكهم الله بإنكارهم له وكفرهم به فعاقبهم بالريح حيث قال: فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون.

وكذلك آل فرعون الذين قال الله فيهم: وفرعون ذي الأوتاد. وقال: كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين. فأهلكهم الله لما أنكروا وجوده وكفروا به بأن أغرقهم في اليم، وغيرهم من أصحاب الحضارات والعلوم والمعارف، إلا أن ذلك لم يغنيهم عن الإيمان بالله عز وجل، كيف لا ونحن البشر فقراء إلى الله والله هو الغني الحميد.

لذلك لا يغتر أهل الحضارة والعلم والمعرفة وهم كافرون بالله منكرين له ولوجوده، كما لا يغتر الذين ينسبون أنفسهم لله شكلًا وهم أبعد ما يكونون عن الله ودينه واقعًا، فليرجع الجميع للصواب، وليبحثوا عن الله رب الأرباب، الله الخالق المدبر اللطيف بكل شيء، والقادر على كل شيء، وصانع هذا الكون بكل ما فيه، فلا قيمة لشيء مهما كان حضاريًا إذا لم يصل بنا إلى الله جل في علاه.

وا أسفاه على ستيفن هوكنج الذي انتفعت الإنسانية بعلمه، ولم ينتفع هو بمعرفة خالقه وربه!