ما أشد البلاء الذي ابتلانا الله به في هذا العصر حتى تحولت قضايانا الثابتة إلى مضغة يلوكها من يسمون أنفسهم مسلمين بالفطرة عربًا بالمعنى وقد تمرغت أقدامهم في الوحل والخيانة حتى أصبح عنوانهم:

من يهن يسهل الهوان عليه *** ما لجرح بميت إيلامُ

كيف يقول الله عز وجل (سبحان الذي أسري بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) سورة الإسراء، ورسولنا الكريم يسوي بين المسجد الأقصي والمسجد الحرام والمسجد النبوي في حديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصي ومسجدي هذا) حديث صحيح.

وكأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينظرون من وراء الغيب فيرون قادة أمة غرقوا في الخيانة فهانت عليهم قضية القدس ولم يروا حرجًا في التنازل عنها للعصابات الصهيونية التي أهلكت الحرث والنسل فإذا بالخليفة الراشد عمر بن الخطاب يصرخ قائلًا (وما القدس عند الله إلا كمكة).

لقد قرأت طويلًا عن مدينة القدس وكذلك احتلال فلسطين فبكيت على العروس الجميلة التي اغتصبت ووقف العرب ينظرون جميعًا بلا مسحة من عقل أو قلب أو ضمير حتى إني قرأت رسالة عبد الرحيم الحسيني أحد قادة المقاومة في الثلاثينيات إلى الجامعة العربية يطلب إمداده بالسلاح ويصرخ إن لم تمدونا فسنموت لكن الجامعة العربية لا تجيب ولسان حالها:

لقد أسمعت إذ ناديت حيًا *** ولكن لا حياة لمن تنادي.

والعجيب أن يستشهد هذا المقاوم الفذ وهو يردد آيات البطولة في لوحة شعرية صارت لنا مثلًا:

سأحمل روحي على راحتي *** وأمضي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق *** وإما ممات يغيظ العدى

إن القدس كانت وستظل مسرى رسول الله وأمانة عمر وإرثنا التاريخي وأرضنا المباركة التي لا يملك رئيس أو أمير أن يفرط بشبر فيها وليعلم هؤلاء الخونة أن القدس حطمت من قبل كل غاز وقد حولها من قبل الصليبيون إلى إسطبل للخيول وقتلوا المسلمين فيها حتى بلغت الدماء الركب واستقر لهم الأمر ما يزيد على مائة عام ولكن كانت نهايتهم على يد رجال الله الذين يبزغون كالريح المرسلة تجرف الخونة وتزيح المعتدين وتردد في جنبات الأقصى:

الله أكبر فوق كيد المعتدي *** والله للمظلوم خير مؤيد.

لا تحزني يا قدس فخيال حريتك يداعب أفئدتنا ليلًا ونهارًا منتظرين طريقًا نأتي إليك من خلاله ولو كلفنا ذلك المهج والأرواح. يا جنة ملأت كياني ودموعك النازفة كسكين يطعن قلبي ويؤرق مضجعي.

القدس في القيد تبكي من فوارسها *** دمع المنابر يشكو للمصلين.

إن التاريخ لا يمنح أوسمة للخائنين بل يدفنهم في نفاياته وإن طال الزمان بهم وفي الأخرى لهم الجزاء.

إن القدس قضية عقيدة وهي أيضًا قضية قومية عربية وأي محاولة لإبعادها عن هذا المنظور هي في حد ذاتها لا يمكن أن توصف إلا بالخيانة حتى وإن كانت غير مقصودة.

إنني لم ولن أغفر لبريطانيا وعدها يومًا ما أنها من وضعت هذه الجرثومة في قلب الوطن العربي كما أنني لن أغفر لأتاتورك والاتحاد والترقي والشريف حسين الذين أسقطوا السلطان عبد الحميد والخلافة فجعلوا الأمة نهبًا مستباحًا لذئاب اليهود الخونة الغادرين.

إننا في منعطف تاريخي خطير لا يقف له إلا الرجال الفوارس الذين لا يخافون أحدًا إلا الله ينصرون القدس بالوعي والقلم والحراب إن استدعى ذلك.

وأتساءل كثيرًا هل أنسانا طول عهد قضية فلسطين أن إسرائيل دولة مغتصبة وأن فلسطين من البحر إلى النهر؟ هل أنسانا طول العهد أننا مسئولون أمام الله عن قضية القدس وفلسطين فبماذا سنجيب الله يوم نلقاه؟

وأخيرًا يقول محمد صلى الله عليه وسلم حين سئل أفتنا في بيت المقدس فقال بأبي هو وأمي (ائتوه وصلوا فيه فإن لم تأتوه فاهدوا إليه زيتًا يسرج في قناديله فمن أهدى إليه زيتًا يسرج في قناديله كان كمن صلى فيه).

ويجيبني البطل المسجي *** هازئًا بي في اجتراحي

كفكف دموعك ليس في *** عبراتك الحرى ارتياحي

هذا سبيلي إن صدقت *** محبتي فاحمل سلاحي.