لم أقع ضحية لدراكولات الأحلام كما تزعم؛ ولكني سهوت عن الواقع الاجتماعي الذي نشأت فيه؛ لأني تجاوزت بأحلامي محدودية التفكير النمطي المعشش في ألباب أفراد مجتمعي.

أنا ابن القرية مبهمة الملامح، والمطمورة تحت أغطية سميكة من الظلام المرصع بالجهل والخوف والضغائن ونمطية التفكير، أخ وحيد وسند صلب لأجمل شيء في حياتي بعد والدي ووالدتي، وهم أخواتي البنات، نور عين والدي، ونسمة الهواء التي تتنسمها والدتي، وصديق صادق ووفي لك وداعم لأحلامك الطوباوية، أعيل نفسي منذ نهاية المرحلة الابتدائية، ومتفوق في دراستي منذ نعومة أظفاري، تجشمت ظروفًا معيشية عاتية؛ كادت تودي بحياتي إلى مصير مجهول، وأنا لم أكمل العقد الأول من عمري، لا علاقة لي بالسياسة، مكيافيللي كما تطلق عليّ أنت؛ لأني سئمت من الضربات المبرحة التي تلقيتها؛ وتركت آثارًا في قلبي قبل عقلي، ولكني لم أفقد إنسانيتي بعد!

وأدعو الله أن لا يتجشم أحد الظلم الذي تجشمته، ولا يتجرع مرارة ما تجرعته، هذا هو تعريف موجز عني، إليك قصتي، ولضميرك الحكم:

أنا تربية أسرة ذكورية ثقافتها الذكورية منبثقة من المجتمع الذي تعيش فيه، والتي تعتبر وحدة من وحدات تكوين مجتمع ذكوري مجحف، أخ وحيد لخمس أخوات من البنات، مشرف على تربيتهن ورعايتهن بامتياز من والدي.

في بداية ميلادي كنت الحفيد المدلل إلى جدي، إلا أن السعادة كما تعلم لا تدوم؛ لأني بمجرد وفاته تجرعت مرارة طفل سلبت منه لعبته المحببة إليه، وذلك لأن بعد الوفاة انقشعت سحابة التدليل التي كنت أعيش في ظلها، وحلت محلها سحابة أخرى مصبوغة بالفقر والأحوال الاقتصادية الرديئة؛ مما غرس في نفسي شعورًا بالحرمان من أشياء تمنيتها وأنا طفل، ولم أستطع أن أحصل عليها، بالرغم من تداولها في أيدي الأصدقاء والزملاء، استهللت مشواري التعليمي بالتفوق منذ المرحلة الابتدائية، بمجهودي الذاتي، دون مساعدة من والدي ووالدتي في تحصيل دروسي كما يفعل أغلب الآباء والأمهات مع أطفالهم، ودائمًا ما كان يعنيني أن أرسم ابتسامة الزهو على وجه والدي ووالدتي محاولة مني لتعويضهم عن الظروف المعيشية المضنية التي يتكبدونها، حتى أصبت في إحدى السنوات الدراسية في المرحلة الابتدائية بنوبة شديدة من المرض؛ هرع على أثرها والدي حاملني بين أحضانه إلى أحد المستشفيات الحكومية، الذي أثبتت الفحوصات الطبية به أني بحاجة إلى إجراء عملية جراحية عاجلة، ولكن الظروف الاقتصادية الصعبة حالت بيني وبين إجرائها؛ مما تمخض عنه مضاعفات في نوبة المرض، التي كادت أن تودي بي إلى حتفي، لولا رحمة من الله.

انصرفت إلى سوق العمل منذ الصف السادس الابتدائي؛ ومنذ هذه اللحظة متكفل بمصروفاتي الحياتية، لم أستمتع بطفولتي كما كنت أتمنى، ولكني لم أوجه أي لوم لوالدي يومًا ما، وانتهيت من المرحلة الابتدائية وتخطيت أيضًا المرحلة الإعدادية بتفوق؛ وعلى أثر ذلك وددت أن أقدم أوراقي إلى إحدى المدارس العسكرية، ولكن لظروف خارجة عن إرادتي لم أسجل في سجلاتها، ولكني لم أيأس بعد، انهمكت في الدراسة، وتمكنت من التفوق في السنة الثالثة للمرحلة الثانوية، وكان تفوقي تفوقًا غير عادي، لأن تفوقي تجاوز حدود مدرستي، والإدارة التعليمية إلى المحافظة، فكنت من العشرة الأوائل على مستوى المحافظة، شعبة أدبي، هنا كاد قلبي أن يخلع من الفرحة، وسرعان ما هرولت إلى إحدى أكاديميات التأهيل العسكري؛ أملًا في تحقيق حلم الطفولة وأصبح ضابطًا، بعد التأهيل تقدمت بأوراقي إلى إحدى الكليات العسكرية، وتجاوزت جميع اختباراتها حتى وصلت إلى اختبار كشف طبي متقدم، وهنا كانت الصاعقة تم استبعادي لأن جسدي به نسبة من المخدرات، هل من الممكن أن تتصور هذا؟!

لم أدخن، ولم أتناول أي مشروبات كحولية يومًا ما، بل أصاب بالسعال كلما استنشقت رائحة السجائر، وفي النهاية يتم استبعادي لهذا السبب!

أصبت بالحزن والقنوط فترة، ولكني قررت أن لا أسلم نفسي لليأس بهذه السهولة؛ لذلك تقدمت بأوراقي إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكنت أغمغم دائمًا، سوف أصبح ملحقًا دبلوماسيًا لمصر في إسبانيا، لذلك انهمكت في الدراسة وفي تعلم اللغة الإنجليزية والإسبانية، حتى هويت في خانات من اليأس السحيق، حيث إنه بعد انتهاء السنة الأولى، رغم استحقاقي الحصول على المركز الأول أو الثاني في قائمة الأوائل، تم استبعادي لصالح طلاب من أبناء أعضاء هيئة التدريس، فهرولت من الصدمة للعميد محاولًا الاستغاثة به، ولكنه لم يستطع تحمل اندفاع طالب لم يكمل عامه التاسع عشر، وانفتح في وجهي ووجه لي عبارات قاسية، لذلك كان علي أن أحول إلى إحدى الكليات الأخرى؛ خوفًا من بطش عميدها بي؛ وأملًا في فرصة أفضل في مكان أفضل.

هذه هي قصتي التي جعلتني أبحث عن سبل لتضميد جروحي المتقيحة، ووجدت الطريق المناسب الذي يتسق مع مبادئ مجتمعي أو الطريق المكيافيللي كما تطلق عليه أنت، أنا لا أريد من الجامعة سوى الحصول على الشهادة الجامعية، أريد أن أصبح رجل أعمال منقطع النظير، بل سوف أصبح رجل أعمال منقطع النظير، بطريق غير مشروع إذا لم يكن طريق مشروع، وسأحصل على المكانة الاجتماعية التي تتسق مع مبادئ المجتمع التافهة بأموالي لا بمجهودي الدراسي.

كانت هذه الكلمات كفيلة بأن تجعلني أنظر إلى السماء، وأهمهم: يا إلهي!

هل من الممكن أن يحدث هذا؟ هل قصص دراكولات الأحلام التي نشاهدها في الأعمال السينمائية حقيقية؟ كانت قصة صديقي العزيز كفيلة بأن تدفع التساؤلات تدور في رأسي كالمكوك.

كيف تمكنت دراكولات الأحلام بأن تجعل شابًا في ميعة شبابه يرضخ لقيم مجتمعه الزائفة، ويتخلى عن أحلامه، ويتعقل بالعقلية القطيعية، وتتحول شخصيته المفعمة بالنشاط إلى شخصية مصبوغة باللامبالاة.

أشعر بالأسى لما تعرض إليه صديقي، الذي يعتبر بمثابة نموذج حي لما يتعرض إليه العديد من الشباب والشابات، بفضل الفساد الذي ينخر في مؤسسات الدولة، وامتطاء قلة من رؤوس الأموال وأصحاب النفوذ والسلطة في الدولة والمتملقين ومعدومي الضمير من الأكاديميين كرسي التحكم في مصائر الآلاف من الشباب والشابات.