بمناسبة وفاة العالم الفيزيائي ستيفين هوكينغ وما أثير حول وفاته من كلام، خاصة فيما يتعلق بجواز الترحم عليه من عدم الترحم عليه، وقد أصبح حديث الترحم على غير المؤمنين أو المسلمين مثارًا بقوة في وسائل التواصل الاجتماعي؛ حتى دخل حيز الجدال، لذلك أردت تبيين المسألة، بعد النظر إليها من وجهتين، ووضعها بين سؤالين اثنين: سؤال الحق وسؤال الرحمة، وأقول: إن أول ما يجب على الإنسان معرفته هو الحق المتعلق بالعلة والغاية والمصير، وبذل الجهد والوُسع من أجل ذلك، وقد يسر الله للإنسان معرفة الحق بما بَثَّ في الكون وفطر في الأنفس من ظواهر وآيات يهتدي بها العوام، وقوانين ملازمة لها يهتدي بها العلماء إلى معرفة الحق، فقال سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). [فصلت:53].

فكل ما في الكون والأنفس من آيات ظاهرة هي حجة على العوام، وما فيه من قوانين فزيائية وكميائية هي حجة على العلماء، فمن اكتشف منهم حقيقة علمية فيزيائية أو كيميائية فقد أراه الله من آياته ليتبين له أنه الحق، فلا عذر له بعد ذلك، وعليه بالخضوع للحق، إلا أن يكون من الممترين، كما ذكر الله بعد الآية السابقة: (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ). [فصلت:54]، وقد أمر الله نبيه بأن يقول للناس سيروا في الأرض وابحثوا عن كيفية ابتداء الخلق، لمعرفة الحق، فقال سبحانه: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ). [العنكبوت:20]، وكيف بين سبحانه وتعالى كفرهم وجحودهم بعد قيام الحجة عليهم فقال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). [الحج:46]، والحجة قائمة على العلماء أكثر من قيامها على العوام؛ لأنهم أكبر من يقف على الحقائق، فيخضعون للحق بمقتضى ذلك قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). [فاطر:28].

وأما الرحمة فمن اختصاص الله، قال تعالى: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). [البقرة:105]، ومن ضمن خصائصها الهداية للإنسان والعناية به في حياته، ونجاته بعد مماته بشروط، منها الصدق في طلب الحق لمن لم يهتد إليه بعد بذل جهد ووُسْع كبيرين، كما قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). [البقرة:286].

وما يُثار حول جواز الترحم وعدم الترحم على بعض علماء الكونيات غير المؤمنين؛ فإننا نخضعه إلى ما تم ذكره سابقًا، بالنظر في أحوالهم وأقوالهم، ومدى التزامهم بالحقيقة، والحيادية في المواقف، وصدقهم في طلب الحق؛ بناء على تخصصاتهم المتعلقة بالبحث في القوانين الطبيعية التي استودعها الله في هذا الكون، وهي من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، ومن حججه على الإنسان، وهي قائمة على ستيفين هوكينغ وغيره من العلماء، وسوف يسؤلون عن تقصيرهم في طلب الحق وجحوده بعد أن تبين لهم، وعن عدم هداية الناس إلى الحق الذي تبين لهم، كِبرًا وعلوًا، وإرادة منهم لأنفسهم عدم الخضوع لأي قوة خارج هذا الكون، وهذه من صفات الأنفس السيئة عند بعض الناس.

وقد بينها لنا سبحانه في كتابه العزيز إذ قال: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ. وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا). [النمل:13-14]، فجعلوا بذلك من العلم مطية للإلحاد وإضلال الناس بدل هدايتهم به، وكان بالإمكان أن يكونوا بالإضافة إلى خدمة البشرية رسل العلم لهداية الناس، لكنهم كانوا عكس ذلك، رسل إبليس في الإضلال ونشر الإلحاد، فالعلم الحقيقي هو الذي يهدي إلى معرفة ما بعد الظواهر والقوانين، قال الله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ). [الروم:7]، ونحن لا ننكر خدمتهم لبعض جوانب المعرفة المرتبطة بالكون والحياة، لكن ذلك بالعَرَض وليس بالقصد والإرادة، قد يكون ستيفين هوكينغ من هؤلاء، وقد لا يكون، المهم لا تتسرعوا في الترحم قبل أن تبحثوا في حقيقة الأمر، وإن لم تهتدوا إلى حقيقته فتوقفوا في المسألة، واذكروا فضله في العلم دون شيء آخر؛ لأنكم مسؤولون عن كل ما تقولون، كما قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا). [الإسراء:36].

خلاصة القول، حتى لا تنخدعوا بمن يدعي التنوير والعقلانية والإنسانية بالتشغيب في مثل هذه المسائل، فليس هناك أي ارتباط بين العلم وبين مصير الإنسان، إذا لم يكن العلم خاضعًا للحق، فلا بد من معرفة الحق واتباعه والعمل له، والرحمة في فلسفة الحياة والموت، والنعيم والعذاب، لا تكون إلا بمعرفة الحق والخضوع له لمن تيقن، أو عند عدم معرفته مع بذل الجهد والوُسع في طلبه، وقد تكفل الله بهداية من جاهد في سبيل معرفة الحق واتباعه والعمل له، إذ قال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). [العنكبوت:69]، والقليل من المجاهدين في سبيل الحق من رحلوا من الحياة قبل بلوغه، وهم في رحمة الله، هذا هو الصواب أما غيره فمجرد تهويش.

هذا هو منهجي الذي أتبعه في مسألة التفريق بين المؤمنين وغير المؤمنين فيما يخص المصير الأخروي، سواء كانوا من العلماء أو من العوام، وهو منهج وسط بين الغلاة ممن عندهم مفاتيح الجنة يدخلون فيها من شاءوا من المشركين والملحدين والفاسقين بدون حساب، وبين المتنطعين ممن عندهم مفاتيح النار يدخلون فيها أيضًا من شاءوا من الناس دون عذر الصادقين منهم في طلب الحق والخضوع له، لذلك قلت سابقًا: في فلسفة الحياة والموت، والنعيم والعذاب، المسألة خاضعة للجواب عن سؤال الحق قبل الجواب عن سؤال الرحمة، فأجيبوا عن سؤال الحق أولًا، ثم ناقشوا سؤال الرحمة.