الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

قبل أيام توفى العالم الفيزيائي البريطاني الشهير ستيفن هوكينج الرجل الظاهرة الذي ظل لعقود حديث العالم كله في قصته الاستثنائية، والتي تم إنتاج فيلم عنها قبل بضع سنوات، كان له نصيب من ترشحات وجوائز الأوسكار؛ فهو الرجل المقعد المشلول الجسد الذي لا عضو فاعل لديه سوى عقله، وبرغم ذلك استطاع أن يثري الساحة العلمية بمؤلفاته وأبحاثه التي أفادت الكثير من طلّاب العلم في عصره والعصور التي تلت.

هذه الكلمات الموجزة وغيرها من التقارير وحديث الإعلام والعالم عن ستيفن هوكينج تثير حفيظة البعض من الناس من ناحية، وشجون وتعاطف البعض لدرجة الحماقة من ناحية أخرى، فالبعض الأول هم من الذين يكرهون معتقده الإلحادي وإنكاره وجود الله، وما يتبع ذلك والبعض الثاني هم من الذين يعتبرون أن كل ضابط شرعي يُراد تطبيقه يتعلق بأصول التعامل مع المخالف هو مجرد شكل من أشكال التشدد والتعصب الذي نحن في أمس الحاجة إلى التخلص منه حتى ننعم بالسلام ونحب بعضنا البعض.. أو كما يقولون.

تقريبًا لا تسلم مواقع التواصل الاجتماعي من المعارك الجانبية بين هذين الطرفين كلما وقعت حادثة أو حدثت وفاة لشخصية كستيفن هوكينج، وعلى الرغم من أن كاتب هذه السطور يميل إلى جانب البعض الأول (والميل غير أن أكون من…) إلا أنني ألاحظ أن العقيدة الصحيحة عند البعض سببًاً في أن لا تتحمل مجرد الإطراء على شخص مخالف في المجال الذي تخصص فيه، سواء في حياته وموته؛ الأمر الذي أدى بطريقة، أو بأخرى، إلى الانعزال التام عن الواقع المحيط بهم، وهذا من الفهم الخاطئ لمعنى أن تتحصن بالعقيدة الصحيحة ضد العقائد والمفاهيم المنحرفة والكفرية أحيانًا، فلم يفرقوا بين وصف الشخص بما هو فيه، سواء كان ذلك عبقرية وذكاء، أو قصر نظر وضعف تفكير، وبين انحراف معتقده وإلحاده الأمر الذي يكرهه بطبيعة الحال كل مؤمن بالله والبعث ويوم الساعة، وهناك من كان أفضل حالًا من هؤلاء، ولكنهم تصدوا لكل من ذكر عبقرية هوكينج وسعة علمه، وبدأوا بذكر سوء منقلبه وموته على الكفر والضلال وغير ذلك، والمشكلة بالطبع ليست في مضمون الحديث نفسه على فرض أنه مات على ما عُرف عنه، ولكن المشكلة في أن ذلك كان لكراهة ذكر عبقريته وسعة علمه مع أن هذا أمر واقع لا مناص منه ولا يتعارض مع كراهة ما عُرف عنه من إلحاد وضلال.

ولو نظرنا إلى الطرف الآخر الذي ظل يتفنن في الحماقة بترحمه على الرجل وطلب المغفرة له، فلم يبق له سوى إقامة صلاة الجنازة عليه وطلب دفنه في مقابر المسلمين الأمور التي لم تكن تساوي أي شيء عند من يترحمون عليه وربما كانت محط سخريته، وعندما يذكر أحد عدم جواز الترحم على من مات كافر يرمونه بالتعصب والتشدد والرجعية ويرجعون إليه كل أسباب تراجع الأمة وتخلفها ناسين أو متناسين أن العبرة بالدليل، وليس بالهوى وما قد يجرح مشاعرهم المرهفة أو خوفهم من أن يجرح المشاعر المرهفة عند غيرهم، وهم في ذلك في تبعية عمياء للتوجه العولمي الداعي لتذويب الهويات والمعتقدات والانتماءات وجعلها في مستوى واحد وقالب واحد.

ستيفن هوكينج ظاهرة تستحق البحث والدراسة سواء كان ذلك في بحث مسيرته العلمية والظروف المتعلقه بها وما يرتبط بذلك من أسرته ونشأته وزواجه، كذلك أبحاثه ونظرياته وكيف توصّل إليها ومؤلقاته لفهم طريقة تفكيره وآليات الإستنباط عنده، هذه أشياء قد تساعد كثيرًا في فهم واقع مجتمعنا التعليمي والمؤسسات القائمة على أمر التعليم في بلادنا وما هي فرص التعليم لمن تعرضوا لنصف ما تعرض إليه ستيفن هوكينج في هذه البيئة التي نعيش فيها وما هي المتطلبات التي من شأنها تحسين بيئة التعليم ووجود مادة علمية غنية بالفوائد التي تنفع المتلقي.

أحد العباقرة في تاريخنا الإسلامي وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تكلم عن الأشعرية والفلسفة والباطنية والتشيع والمسيحية وغيرها مما ينحرف عن الإسلام أو يصادمه بالكلية، ولكن ما لم ينتبه إليه الكثير هو أن شيخ الإسلام لم يكن ليناقش هذه الأفكار والتوجهات ما لم يتناولها بالدراسة الدقيقة والتمحيص، الأمر الذي تفوق فيه لدرجة أنه قيل عنه إنه أتقن هذه الدراسات أكثر من أصحابها، وهو ثابت على معتقده الأول لم يتغير ولم يتأثر، فمن يفهم أن التحصن بالعقيدة هو الانغلاق والإنعزال عن كل شيء فهو مخطئ، بل هو مرحلة الإعداد للدخول والاستكشاف لكل ما هو حولنا من علوم
ونظريات وظواهر وممارسات والتأكيد على ما هو مفيد منها ونبذ ما يضر، ولنعلم من الناحية الأخرى أن (الدعشنة) يمكن أن تكون في اتهام الآخرين بالتشدد والرجعية لمجرد أنه نطق بحكم شرعي لا غبار عليه، كما أن ارتجال الكلام والتنظير، بدون أي مستند علمي سليم، ولا منهجية ثابتة، ليس من سمات العلماء، ولا حتى العقلاء المتزنين.